وتوضح الإحصاءات أيضاً أن عدد الجرائم المسلحة في بريطانيا زاد من (12410) عام 1997 م إلى (13671) عام 1998 م أي بنسبة 10%. وفي استراليا كشفت دراسة حديثة أجريت خلال 12 شهراً أن جرائم القتل زادت بنسبة 3.2%، وأن جرائم الاغتصاب زادت بنسبة 8.2% وأن جرائم السرقة المسلحة زادت بنسبة 44% (1) . وتطالعنا الأخبار المقروءة والمسموعة والمرئية صباح مساء عن الأطفال الذين يقتلون زملاءهم في المدارس بالأسلحة بصورة جماعية خاصة في الدول المتقدمة ماديّاً. وعلى مستوى الأسرة الواحدة نجد أن نمط التربية الأسرية في المجتمعات الغربية يسمح بانفصال الأبناء عن آبائهم في سن مبكرة مما يضعف العلاقة بينهم ويؤدي إلى الفرقة والتشتت. وتوضح هذه الظواهر أن التنمية بالمفهوم المادي يصاحبها - كما تقدم - تفكّك وتباعد معنوي بين البشر. ولقد عبّر عن هذا بعض الكُتاب الغربيين بقولهم إن الناتج القومي الإجمالي G NP كمقياس للقيمة النقدية للأنشطة الاقتصادية لم يعد يعبّر بدقة عن مستوى الرفاهة للمجتمع. فالزيادة فيه غالباً ما تكون مصحوبة بمزيد من العُنف بين البشر، هذا في حين أن التنمية الحقيقية Real Development يجب أن بصاحبها مزيدٌ من الأمن والسلام بين البشر (2) . ويرجع ذلك في نظر الباحث إلى غياب البعد الإيماني والأخلاقي من التنمية في هذه المجتمعات مما جعلها تقترن في الغالب بمزيد من التفكك والتباعد بدلاً من التقارب والإندماج. ويقودنا هذا إلى دراسة تجربة مجتمع المملكة العربية السعودية قديماً (3) وحديثاً لنستكشف كيف أن اشتمال التنمية فيه على البعد الإيماني والأخلاقي أدى إلى مزيد من التقارب والإندماج (4) .
هدف البحث:
يهدف هذا البحث إلى التعرف على العلاقة التبادلية بين التنمية والتقارب والإندماج في مجتمع المملكة العربية السعودية قديماً وحديثاً، وبيان كيف أن اهتمام المجتمع الإسلامي بالجانب الديني والأخلاقي في برامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية، يؤدي إلى مزيد من التقارب والإندماج في العلاقات الإنسانية بالمفهومين المادي والمعنوي، وكيف أن إهمال الجانب الإيماني والأخلاقي في برامج التنمية يؤدي إلى مزيد من التفكك والتباعد بين البشر.
خطة البحث:
ولتحقيق هذا الهدف سوف يركز البحث على النقاط التالية:
أولاً: مفاهيم التنمية.
ثانياً: مفهوم التقارب والإندماج.
ثالثاً: التخلف الاقتصادي وفساد العقيدة وعلاقته بالتفكك القبلي في العصر الجاهلي بالجزيرة العربية.
رابعاً: التنمية الإيمانية والتقارب والإندماج في عهد الرسول (.
خامساً: التنمية وأثرها في التقارب والإندماج في عهد الملك عبد العزيز رحمه الله.
سادساً: التنمية وأثرها في التقارب والإندماج في مجتمع المملكة العربية السعودية الحديث.
والله أسأل العون والتوفيق والسداد، وأن يعلّمنا ما ينفعنا وينفعنا بما علّمنا، وما توفيقي إلاّ بالله عليه توكلت وإليه أنيب، وهو حسبي ونعم الوكيل.
أولاً: مفاهيم التنمية:
يمكن التفرقة بين أربعة أنواع من مفاهيم التنمية:
(أ) التنمية الاقتصادية. (ب) التنمية الاجتماعية.
(ج) التنمية البشرية. (د) التنمية الإيمانية.
(أ) التنمية الاقتصادية:
تعرّف التنمية الاقتصادية: بأنها العملية التي يحدث من خلالها زيادة مستمرة في متوسط الدخل الحقيقي، وتحسّن في توزيع الدخل لصالح الطبقة الفقيرة، وتغيّر في هيكل الإنتاج بما يضمن تواصل التنمية بقوة الدفع الذاتية (1) . ووفقاً لهذا التعريف فإن التنمية الاقتصادية تعتبر عملية تغيير مستمرة تتضمن حدوث زيادة في متوسط الدخل الحقيقي، على أن تتوزع هذه الزيادة في الدخل بين جميع أفراد المجتمع خاصة الطبقة الفقيرة وذلك لضمان زيادة العدالة في توزيع الدخل. كما تتضمن تغير في هيكل الإنتاج، بحيث تزداد النسبة التي يحتلها قطاع الصناعة التحويليّة مصحوبة بتنمية تكنولوجية لازمة لتواصل التنمية من خلال قوّة دفع ذاتية.