هصايله أرمينية فقالوا له: أيها الأمير انصرف إلى المخاضة وتداركها قبل أن يحال بينك وبينها، فإنهم إن فعلوا جمعوا لك جموعاً حالوا بينك وبين القفول، قال: فقبل ذلك من رأيهم، وتحمل حتى أجاز بهم النهر راجعاً (1) .
[109] محمد بن عائذ، أخبرني الوليد بن مسلم، قال: فقلت للشيخ القنسريني: فمن كان على مقدمته وميمنته وميسرته وساقته - يعني مروان - حين غزا خزرَ في غزوة السائحة؟ فقال: كان على مقدمته فلان، فنسيته، وعلى ميمنته عبد الملك بن مروان ابنه، وعلى ميسرته الصقر بن صفوان الحمصي، وعلى ساقيته (2) ثابت بن نعيم الجذامي، وهذه الغزوة كانت في أيام هشام بن عبد الملك، وولاه مروان بن محمد على الجزيرة وأرمينية (3) .
[متابعة هشام بن عبد الملك إغزاء الصوائف]
[110] محمد بن عائذ، قال: قال الوليد: وأنا عثمان بن محمد، فإنه حدثني أن هشام بن عبد الملك أغزى الصائفة سنة ست ومائة سعيد بن عبد الملك (4) ، وكنت فيمن غزا تلك السنة، فصلى بنا الظهر أربعاً بدابق، فدخل عليه مكحول فأفتاه بقصر الصلاة، فخرج فصلى بنا العصر ركعتين عن فتيا مكحول، قال: فسمعت رجاء بن حيوة وعبادة بن مُسَي وعدي بن عدي يقولون: ما زلنا نتم الصلاة في هذا المعسكر (5) .
[111] محمد بن عائذ، قال: قال الوليد: وبلغنا أن هشام بن عبد الملك أغزا مسلمة بن عبد الملك الصائفة سنة سبع ومائة وسعيد بن هشام (6) على صائفة أهل الشام ومسلمة على جماعة الناس. وفي سنة تسع ومائة أغزا سعيد بن هشام في ناحية من أرض الروم أيضاً (7) .
[112] محمد بن عائذ، نا الوليد، قال: وأخبرني شيخ من أهل قنسرين أنه غزا في صائفة كان يقدمها عمرو بن الوضاح في نحو من عشرين ألفاً، فوغل في دار أرض الروم، ففتح وسبى سبياً كثيراً، وكنت فيمن غزا معه، فأقبل بتلك الغنائم يريد عقبة الركاب، يتلقى جماعة الصائفة، فلما كان من عقبة الركاب على مرحلة أو مرحلتين، سمع منشداً ينشد: ألا من دل على بغلة كذا يتبعها إلفها برذون كذا، فدعا به عمرو، فقال: ما تقول؟ فأخبره بما ينشد، فقال: إنما البغال تتبع إلفها من البراذين ولا يعرف برذون يتبع البغال! فما أنت؟ ومن أين أنت؟ ومن بعث بك؟ قال: فذهب ينسب فلجلج، وعرف أنه قد لجلج، فقال: ليخلني الأمير، فأخلاه، فأخبره أنه عين للروم، وأنه خلّف أهل الرساتيق والكور قد حشروا إلى عقبة الركاب ليأخذوا عليك بها، ويستنقذوا ما غنمت، قال: ماذا لي إن نصحتك نصيحة تغنم بها جماعتهم وتجيزها بإذن الله لمن معك وما معك؟ قال: لك الأمان وغير ذلك، قال: إن الذين حشروا إلينا من الرساتيق لم يحشروا إليه على بعث ضرب لهم أعطوا عليها العطاء، وإنما حشروا إليها كرهاً، وقد أقاموا وأبطأت عليهم، فالرأي لك أن يؤذن مؤذنك في هذه الساعة أن يصبح الناس على ظهر نفير ليقيما [كذا] ، ثم يصبح غاديتهم، فيسير يوماً أو يومين، وتبلغهم ليوافوك عند إقبالك من العقبة، فإذا ذهب الخبر إليهم بذلك، وسرت يومك، رحلوا عنها أو أكثرهم، عطفت عليهم، فأضربها بإذن الله، وقويت على من بقي منها، قال الشيخ: نفعل ذلك، ثم عطفت راجعاً فوافى الأمر على نحو ما ذكر، من رفض عامتهم وقلة من ثبت عليها، فقاتلوه قتالاً شديداً، فنصره الله، وكان بيننا وبينهم معركة تشبه الملحمة، وأجاز بما كان سبا وغنم، حتى لحقنا أرض الروم.
وذكر الوليد كان ذلك سنة أربع عشرة ومائة وأمير الصائفة معاوية بن هشام (1) .
[113] ابن عائذ، نا الوليد، أخبرني عبد الله (1) ، عن مالك بن أدهم الباهلي، قال: غزونا الصائفة مع معاوية بن هشام، فلما قفلنا وقدمنا وفداً إلى هشام، أنا فيهم، فلما قدمنا على هشام قدم وفد البحر، فأذن لنا هشام جميعاً فدخلنا عليه، وقام خطيبنا فتكلم فأحسن، ثم قام خطيب البحر من الموالي فبذّ خطيبنا كلاماً، قال: وقد كان بعثُ البحر نُكبوا قبل ذلك ثلاث غزوات، فقال خطيب البحر في كلامه: يا أمير المؤمنين لكل شيء إسطاماً (2) وإن إسطام الموالي العرب، فإن كان لك بثغرك في البحر حاجة فاسطم الموالي بالعرب، فإنه أحسن لذات بيننا، وأسخى لأنفسنا، وأهيب لنا في صدور عدونا، قال هشام: صدقت ونصحت، فقطع البعث على الموالي والعرب (3) .