تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ونكتفي بهذا القدر من القبسات النبوية لنؤكد علاقة السنة بالعلم وهي علاقة يقول فيها المرحوم الأستاذ البهي الخولي: (السنة هي المرجع الثاني – بعد القرآن الكريم – لعلوم الدنيا والدين، وهي نفحات نفس قدسية وهي خلاصة كاملة لتجارب أعظم عقل فهم القرآن وسنن الإجتماع، وعلل النفوس، ومشكلات الحياة وضروب الأصلاح.. فإذا أسمعك متحدث: قال صلى الله عليه وسلم فأرهف أذنك واستجمع مواهبك ومشاعرك، لأنك ستسمع أصدق قول، وأنفع قول، وأطهر قول نطق به بشر. وهذه الصفات غنم تتضاءل إلى جانبه الدنيا وما فيها، غنم عقلي وروحي وإجتماعي وعملي يجد فيه كل باحث ري ظمئه إلى ما يشتهي من خير المنافع) (2) .

... ج. ... التراث الإسلامي المجيد:

ليس عجباً أن تتسم الثقافة الإسلامية بالأصالة، لأنها مستمدة من التراث الإسلامي ذي الإتجاهات العلمية المتشبعة والفروع العديدة من المعارف المختلفة فتراثنا الإسلامي تراث مجيد نهضت به الأمة الإسلامية على مدى أربعة عشر قرناً وكانت في طليعة العالم إن لم تكن أرقى أمم الأرض طراً، كما قامت بهذا التراث الإسلامي نهضة المجتمعات الأوروبية حين انتقل هذا التراث إليها عن طريق بلاد الأندلس، وعن طريق الحروب الصليبية، وعلى يد عدد من اليهود الأسبان، وكثير من عرب صقلية وأفريقية.

ولقد بلغت عظمة التراث الإسلامي وقوته أن كان بالأندلس وحدها – زمن قوة المسلمين – أكثر من سبعين مكتبة عامة كما بلغ تعداد ما في مكتبة الأمراء في الأندلس فقط 600 ألف مجلد وهذا في زمن لم تكن فيه المطابع التي نعرفها اليوم وإنما كان ما كتب بخط اليد كله، الأمر الذي يدل على أن الثقافة في ظلال دعوة الإسلام لم تكن مقصورة على الطبقات العليا، وإنما هي أمر مشاع بين الناس كافة (1) .

إن تراثنا الإسلامي تراث تليد حقاً، لأنه يجمع مع الرقي الكمي والكيفي فضل السبق على الحضارة المادية المعاصرة في شتى أوجه المعرفة ومختلف فروع العلوم.

ففي فرع البصريات المتعلق بعلم الطبيعة أو الفيزياء: نجد أن الحسن بن الهيثم هو أول من وضع علم البصريات منذ حوالي ألف سنة وكان لهذا العلم الأثر العظيم في الحياة المعاصرة، إذ انه يبحث في سقوط الأشعة والضوء على الأجسام الثقيلة وبهذا العلم اتصلت نظريات الضوء وانفتح الباب أمام مخترعات كثيرة واستحق ابن الهيثم به أعظم التقدير من علماء أوروبا فقد قال عنه (فباردو) : (إن الهيثم هو العربي الذي تعلم منه رجالنا) (2) .

وفي علم الكيمياء: نجد أن جابر بن حيان أسس هذا العلم وهو الإمام في هذا المضمار الذي اتكأت أوروبا بعد نهضتها على كشوفه وابتكاراته فترجمت عن - حاجة - كتابه المسمى بالاستتمام، ونقلته إلى اللغة اللاتينية سنة 1682م لتتعلم منه ما لم تكن تعلم وقال (برتيلو) عن جابر: إن له في الكيمياء ما لأرسطو في المنطق ويتبين بذلك أن جابر ابتكر الكيمياء كما ابتكر أرسطو المنطق (1) .

وفي علم الرياضيات نجد أن محمد بن موسى الخوارزمي هو واضع علم الجبر بأمر المأمون العباسي في القرن التاسع الميلادي، وعنه أخذت أوروبا ولا زالت تسميه باسمه العربي الجبر. وأولاد موسى وهم: محمد وأحمد والحسن هم الذين وضعوا المعادلات الرياضية وعلى هدى تلك البداية العربية للرياضيات كانت تلك المخترعات الهائلة كالصواريخ والأقمار الصناعية والراديو وسواها كثير (2) .

وفي فن الطب: نجد ابن سينا (3) ، والكندي، وأبو بكر الرازي، والكتاني كان لهم باع طويل وأثر عميق في هذا الفن بل إن أول مدرسة طبية أنشئت في قارة أوروبا على نظام محكم هي التي أنشأها العرب في أسبانيا.

ثم ناهيك بعد ذلك بما للمسلمين من يد طولى في مجال بقية المعارف التجريبية من مثل فن الهندسة، وفن الفلك، وفي مجال بقية العلوم النظرية والمسماة بالعلوم الإنسانية من مثل علوم الشريعة.. تفسير، وحديث، فقه، وتوحيد، وعلوم اللغة.. نحو وصرف وبلاغة وأدب، ثم من مثل علم الفلسفة والمنطق وغير ذلك من ألوان المعرفة والعلوم.

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ١٦١٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ١٦١٨