تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن القرآن كتاب عقيدة يهدف في كل ما اشتمل عليه من إشارات إلى أمرين اثنين:

أحدهما: ربط مختلف العلوم والمعارف والفنون بالإيمان والعقيدة.

والآخر: حث الإنسان على التفكير السليم والنظر الصحيح إلى ما يزخر به عالم النفس وآفاق الكون من الآيات من غير أن يتضمن القرآن الكريم حكماً من الأحكام يشل حركة العقل من تفكيره، أو أن يحول بينه وبين الإستزادة من العلوم ما استطاع حيثما استطاع.

وبعد فالقرآن كلمات الله وهي كلمات لا تنفذ معانيها ولا تنتهي مدلولاتها ولا تنقضي عجائبها ومن ثم تكون الثقافة النابعة منه ثقافة تتسم بالأصالة والرسوخ والثبات وهي الثقافة الحق، والثقافة الخالدة.

... ب. السنة النبوية الشريفة:

لم تكن السنة النبوية الشريفة بأقل أثراً من القرآن الكريم في الدعوة إلى العلم والمعرفة وسائر ألوان الثقافة، لأن صاحب السنة صلى الله عليه وسلم هو المترجم لمعاني القرآن إلى عمل تطبيقي وسلوك واقعي، وليس أدل على ذلك من هذا الحشد الهائل الضخم من الأحاديث النبوية الشريفة التي جمعها الحفظة والمحققون للسنة الشريفة في كتب الأحاديث العامرة بالروايات الصحيحة، والدالة فيما تدل عليه على عظم إهتمام السنة بالعلم والمعرفة وذلك من مثل ترغيب النبي صلى الله عليه وسلم في طلب العلم والإرتحال إليه ومن مثل الإشادة بفضل العلم والعلماء والمتعلمين ومن مثل الترغيب في مجالسة العلماء وإكرامهم وتوقيرهم وإليك قبساً من هذه الأمثلة التي ترشد إلى موقف السنة من الثقافة القائمة على العلم والتعلم.

لقد دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين بصريح القول إلى التحلي بفضيلة العلم لما له من آثار طيبة ونتائج حسنة فقال صلى الله عليه وسلم: (تعلموا العلم فإن تعلمه لله خشية، وطلبه عبادة، ومذكراته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربة.. لأن العلم حياة القلوب من الجهل ومصابيح الأبصار من الظلم.. ويبلغ العبد بالعلم منازل الأخيار، والدرجات العلى في الدنيا والآخرة.. التفكر فيه يعدل الصيام ومدارسته تعدل القيام، به تُوصل الأرحام وبه يعرف الحلال والحرام) (1) .

وفي حديث ثان يبين الرسول صلى الله عليه وسلم مكانة طالب العلم وجزائه، وفضل العلم ومنزلته فيقول: (من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له طريقاً إلى الجنة وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضا بما يصنع، وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة

الأنبياء. إن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر) (2) .

وفي حديث ثالث يقرر الرسول صلة الله عليه وسلم في مثل يضربه أن موضوع دعوته المبعوث بها يتكون من شقين: أحدهما يتمثل في الهداية والتقوى، والآخر يتمثل في العلم والمعرفة.. هذان الشقان انقسم الناس حولهما إلى ثلاث طوائف:

1. طائفة إستجابت قلوبها وتفاعلت عقولها مع ما استجابت له فأنتجت في مجال العلم والإرشاد وهذه هي طائفة أولي الأمر من المشرعين والمفكرين والباحثين المسلمين.

2. طائفة إستجابت قلوبها لكنها لم تتفاعل بعقولها مع ما استجابت له فلم تنتج في مجال العلم والإرشاد وكانت بذلك بمثابة الأوعية الحافظة لشقيَّ دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم، وأصحاب هذه الطائفة هم عوام المسلمين من المقلدين.

3. طائفة لم تستجب لما جاء به صلى الله عليه وسلم وبالتالي فلم تتفاعل معه وهؤلاء هم الذين وضعوا الأكنَّة على قلوبهم والذين أعرضوا عن التفكير الحق بعقولهم فكانوا بذلك من الخاسرين.

يقول صلى الله عليه وسلم في حديثه الشريف: (مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث أصاب أرضاً، فكان منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصابت منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماءاً ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به) (1) .

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ١٦١٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ١٦١٧