وبَعدُ أفلا يحق لنا أن نقرر في شأن هذا التراث الإسلامي أنه تراث ضخم وفخم؟ وإن من الجدير بهذا التراث أن تخرج منه الثقافة المتسمة بالأصالة والعمق والثبات وأن يكون هذا التراث زاداً لنا على طريق نهضة الأمة الإسلامية مرة أخرى.
الأساس الثاني: غرس الوازع الديني في النفوس:
تتسم الثقافة الإسلامية بالأصالة والرسوخ والثبات لأنها من أبرز الثقافات التي تغرس الوازع الذاتي في النفس البشرية، ومن ثم يصبح الإنسان في كنف هذه الثقافة كائناً ذا ضمير حي وإحساس مرهف.. يراقب نفسه بنفسه ويحاسب نفسه قبل أن يحاسبه غيره، يقبل على الطاعات والفضائل إقبال من يتزود بخير الزاد ويبتعد عن المعاصي والرذائل ابتعاد من يريد النجاة من الهلاك.
إن الوازع الذاتي إذا تحقق داخل الإنسان صار الفرد رقيباً على نفسه يفعل الخير لذات الخير بمحض اختياره وإرادته، ويجتنب الشر لذاته دون خشية من قانون أو خوف من الوقوع تحت طائلته، وما الوازع الذاتي هذا إلا ثمرة من الثمار النابعة من الدعوة الإسلامية. وإنه لوازع تعجز اللوائح الوضعية والقوانين أن تصل إلى بعض نتائجه إذ اللوائح والقوانين المجردة تعتمد على الوازع الخارجي ومن ثم فهي عاجزة عن إلزام الإنسان بالتحلي بالفضيلة والتخلي عن الرذيلة نتيجة لعجز هذه القوانين عن الملازمة الدائمة للإنسان في مختلف الأوقات ليلاً أو نهاراً سراً أو علانية.
هذا هو شأن القوانين بمفردها، أما من شأنها حين تنبع من عقيدة صحيحة وحين تحاط بإطار دين الفطرة.. دين الإسلام.. فهو شأن يختلف تماماً عن سابقه لما يتحقق حينئذ من وازع ذاتي به يكون صلاح الفرد والمجتمع ولنضرب المثال ليتضح المقال.
فلو نظرنا في أم الكبائر.. (رذيلة الخمر) مقارنين بين مكافحتها بسلاح العقيدة وبين محاربتها بالقوانين المجردة. فسنعرف حينئذٍ الفرق.
لقد كان العرب في جاهليتهم مولعين بالخمر، شغوفين بشربها، متسابقين إلى مجالسها فلما جاء الإسلام تدرج في معالجة هذا الداء الخبيث المستحكم وكانت المرحلة الأولى في العلاج أن وضع الإسلام السكر (المخمَّر) في مقابل الرزق الحسن فكأن المخمَّر شئ غير حسن قال تعالى (ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكراً ورزقاً حسناً) (1) .
وكانت المرحلة الثانية أن حرك الإسلام وجدان الإنسان بنص يثير فيه آثام الخمر ويلفت به العقل إلى أن ترك الخمر أولى فإثمها أكبر من نفعها. قال تعالى: (يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما) (1)
وكانت المرحلة الثالثة أن ضيق الإسلام أوقات شرب الخمر حين حرم على المسلم أن يقرب الصلوات الخمس وهو سكران قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون) (2) .
ثم كانت المرحلة الرابعة والأخيرة وقد تهيأت النفوس لها تهيؤاً كاملاً فلم يكن إلا النهي حتى تتبعه الطاعة الفورية، والإذعان، فحينما نزلت آية التحريم بقول الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه) (3) . لم يحتج الأمر إلى أكثر من مناد يمر في نوادي المدينة وسككها ليعلن (ألا يا قوم إن الخمر قد حرمت) .. فمن كان في يده كأس حطمها ومن كانت عنده أواني الخمر وجرارها كسرها، وإنتهى الأمر كأن لم يكن سكر ولا خمر.
وهكذا أقلع المسلمون عن عادتهم الجاهلية وابتعدوا عن الداء الخبيث وتطهروا بمجرد سماعهم حكم القرآن الكريم الذي ربَّى في نفوسهم الوازع الذاتي الممتثل للأوامر والفضائل، والمجتنب للنواهي والرذائل.
هذا ونستطيع أن نلمس دقة العلاج الإسلامي لمشكلة الخمر حين ننظر في محاولات الغرب والشرق لعلاج المشكلة المذكورة.. حيث أعدت هناك الخطط والدراسات، وأصدرت القوانين المجردة عن إطار العقيدة كما أصدرت التشريعات واعتمدت الميزانيات والنفقات.. كل ذلك من أجل القضاء على الخمر فماذا كانت النتيجة؟ لقد كانت فشلاً ذريعاً وخيبة مريرة.