وقفنا في الفصل السابق على ما يميز الثقافة الإسلامية عن غيرها من الثقافات من خلال السمات والخصائص، وفي هذا الفصل سنقف على ما يقوي ذلك التميز ألا وهو أصالة الثقافة الإسلامية من خلال الإطلاع على مصادرها والآفاق والأبعاد التي تقوم عليها، فإن أصالة الثقافة الإسلامية طبيعة لا اصطناعية، وذاتية لا مكتسبة، وموافقة لا مخالفة لفطرة الإنسان، كل ذلك لأن منبعها الإسلام ولعل ما كتبه أحد الكتاب (2) المسلمين عن هذه الأسس في مؤلفه عن نظم الإسلام وثقافته مصدر مناسب لإقتباس مادة هذا الفصل فبالوقوف على تلك الأسس الثلاثة تتضح لنا أصالة الثقافة الإسلامية فالأساس الأول من مصادر الثقافة الإسلامية الكتاب والسنة والتراث، والأساس الثاني هو غرس الوازع الذاتي في النفوس وهو هدف سام للثقافة الإسلامية، والأساس الثالث يتمثل في عالمية الدعوة والتي تبرز لنا أهمية الثقافة الإسلامية وأنها المفتاح الذي يقود الإنسان إلى سعادة الدارين (الحال والمآل) .
الأساس الأول: هو مصادر الثقافة الإسلامية: والتي تتمثل في:
... أ. ... القرآن الكريم:
تتسم الثقافة الإسلامية بالأصالة لأنها مستمدة من النبع السماوي الإلهي الصافي ألا وهو القرآن الكريم، ذلك الكتاب الذي هيأ أصول الثقافة البشرية وأمر أفرادها أن يغترفوا من أنهار العلم وينابيع المعرفة، ويتجلى هذا في إشادة القرآن بالعقل، ودعوة الناس إلى أعماله تفكيراً فيما خلق الله من شئ وتأملاً فيما أبدع الله من خلق، كما يتجلى أيضاً في إشادة القرآن بوسيلة العلم وأداته متمثلين في القراءة والكتابة بالقلم.. ثم يتجلى حث القرآن على العلم، كذلك في تقديره وتكريمه لطائفة العلماء قال تعالى: (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات، والله بما تعملون خبير) (1) .
هذا وقد أشار القرآن الكريم إلى حقائق تتعلق بعدد من فروع العلم وجزئيات المعرفة، إشارة تدل على إهتمام القرآن الكريم بكافة العلوم النظرية والتجريبية والمعارف الفكرية والعملية.. وإذا كان إهتمام القرآن بالعلوم النظرية أمراً لا يحتاج إلى تبيين فالأمر على العكس من ذلك فيما يتعلق باهتمام القرآن بالعلوم التجريبية العملية ومن ثم وجب علينا أن نلفت الأنظار إلى ما اشتمل عليه القرآن الكريم من إشارات إلى حقائق تتعلق بعدد من فروع العلم التجريبي.
ففي قوله تعالى: (وأنبتنا فيها من كل شئ موزون) (2) . وقوله تعالى:
(إنا كل شئ خلقناه بقدر) (3) يشير القرآن إلى حقيقة تتعلق بعلم الكيمياء وهو ذلك الذي يقرر أن العناصر الداخلية في تركيب الأجسام من نسب معينة وموازين مقدرة.
وفي قوله تعالى: (وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم) (1) . يشير القرآن إلى حقيقة تتعلق بعلم الأحياء أو ما يعرف بالتاريخ الطبيعي.. وذلك الذي يقرر إشتمال الحيوانات على الأجهزة العضوية الموجودة في الإنسان من مثل الجهاز العصبي والجهاز التنفسي، وفي قوله تعالى (هو الذي جعل الشمس ضياءاً والقمر نوراً وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب) (2) فالقرآن يشير هنا إلى علم الميقات الذي هو فرع من علم الفلك، والذي تدور عليه مصالح الناس ومواقيتهم، وفي قوله تعالى: (كلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يجب المسرفين) (3) .
يشير القرآن إلى مبدأ هام من مبادئ علم الصحة الغذائي. وفي قوله تعالى: (حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير) (4) يشير القرآن إلى ما يسمى بالطب الوقائي. وفي قوله تعالى (ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً) (5) يشير إلى مبدأ هام من مبادئ الطب النفسي.
والمتتبع يجد الإشارات القرآنية الكثيرة التي تشير إلى حقائق (6) كثير من العلوم والمعارف وهي إشارات توجب علينا أن نقرر بإزائها أن القرآن الكريم مع إشتماله عليها فهو كتاب عقيدة، وليس كتاب فن من الفنون أو علم من العلوم المتعارف على أسمائها بين الناس، من مثل علم الكيمياء، أو الطبيعة، أو الأحياء أو غير ذلك، إن القرآن كتاب عقيدة وحسب.. كتاب عقيدة لا يطلب منه أن يطابق مسائل ونظريات العلم التي تخرج عبره أجيال البشر المتتابعة، كما لا يطلب من المؤمنين به أن يستخرجوا منه تفصيلات تلك العلوم، كما تعرض عليهم في معامل التجربة والدراسة لأن هذه التفصيلات تتوقف على محاولات الإنسان وجهوده، كما تتوقف على حاجاته وأحوال زمانه (7) .