أمثلة لمجال البحث في علم الثقافة الإسلامية:
لا ريب أنه بتحدد معنى الثقافة وموضوعاتها يتحدد إطار التأليف في هذا العلم ومجال البحث فيه سواء في رسائل الماجستير أو الدكتوراه أو بحوث المرحلة الجامعية أو غيرها.
وقد يقول متسائل: بما أن الثقافة علم كليات فهل كل بحث فيها لابد له من الشمولية؟
والجواب: أن ذلك ليس لازماً فقد يتناول البحث قضية من قضايا أحد النظم الإسلامية، لكنها قضية أصولية في هذا النظام، ولها صلة بجوانب الإسلام الأخرى، وإذا كان قد سبق ذكر أمثلة لهذا النوع من البحوث عند الكلام عن المجال الذي يبحث فيه علم الثقافة فإني هنا سأذكر أمثلة مفسرة. فمثلاً:
1. موضوع (مصادر المعرفة) من أصول نظام العلم والمعرفة في الإسلام: الذي يتناول العقيدة حينما يبحث في (الوحي) بصفته مصدراً للمعرفة ويتناول أصول الفقه لدى بحثه مهمة العقل في المعرفة وخاصة في ميدان التشريع.
وموضوع (منهج الإسلام في بناء الجماعة ورعايتها) من أصول النظام الإجتماعي ولكن متعلقاته كثيرة في العقيدة، والأخلاق وبعض الجوانب الفقهية.
وموضوع (قضية الحضارة في ضوء الإسلام) يتناول في بنية الحضارة العقيدة والعلم والتشريع بصفتها أسساً لها، كما أنه يُقوِّم الحضارة القائمة على هذه الجوانب.
2. كليات النظم الإسلامية: سواء كان ذلك لنظام واحد أو أكثر وفي هذا المجال تدخل موضوعات مصادر النظام وأسسه وخصائصه وأهدافه وآثاره وتطبيقاته ومسائله الكلية.
فمثلاً – من كليات النظام الخلقي فطرية الشعور الخلقي لدى الإنسان ومعيار القيم ومصدر الإلزام في الأخلاق والمذاهب الوضعية في هذا الشأن.
ومن كليات نظم العلم والمعرفة (مقام العلم، وعلاقته بالعمل ونظرية المعرفة بمباحثها، ومناهج العلوم، وأقسام العلوم وضوابط المعرفة وفلسفة العلوم..) .
3. القضايا الفكرية في المجتمع المعاصر: مثل (الحرية، الإختلاط، العنصرية، القومية، الحوار بين الأديان، التطور والثبات، والتجديد في الدين، التراث، الموضوعية والشك) .
وتخصص الثقافة لا يتناول من القضايا المثارة إلا الفكرية العامة، أما التخصصية الجزئية فهي لتخصصات أخرى كما سبق ذكره من قبل.
فقضية الولاء والبراء – مثلاً – من موضوعات تخصص العقيدة وقضية الإجتهاد في إستنباط الأحكام، البحث في وجوبه أو جوازه، أو منعه مثار الآن وهو من تخصص أصول الفقه.
وقضية النسب في أطفال الأنابيب قضية فقهية … الخ.
4. الثقافات البشرية:
أ. مذاهبها الفكرية ونظرياتها (أصولها ووسائلها ومناهجها، وموقف الإسلام منها) .
والمتخصص في الثقافة يدرس مذهبية تلك المذاهب أما مرتكزها العقدي (كالقول بأن المادة هي الموجود الأزلي الأوحد) لدى الماركسية فمن شأن المتخصص في العقيدة وليس الثقافة.
ب. تياراتها المعادية للإسلام (أصول تلك التيارات، وأهدافها ووسائلها ومناهجها في حرب الإسلام، ومجالات طعونها، وآثار عدائها، والشبه المثارة من قبلها، وتطورها، ونقدها إسلامياً) .
علم الثقافة الإسلامية بين العلوم الشرعية الأخرى:
أبرز العلوم الشرعية _ سوى علم الثقافة:
1. علوم القرآن وأبرزها علم التفسير المختص بالبحث عن مراد الله في آياته حسب الطاقة.
2. علوم الحديث التي تبحث في الأحاديث النبوية من حيث المتن والسند صحة وضعفاً.
3. علم العقيدة أو التوحيد الذي يبحث في قضايا الألهيات والنبوات السمعيات.
4. علم الفقه وهو معرفة أحكام الشريعة بأدلتها التفصيلية في الجانب العملي من حياة الإنسان.
5. علم أصول الفقه وهو العلم الذي يبحث عن أدلة الفقه الإجمالية، ومنهج الإجتهاد، وأحوال المجتهد.
6. علم السلوك وهو علم يبحث في أعمال القلوب وآفات النفوس.
هذه هي العلوم الشرعية التي يمثل كل منها تخصصاً مستقلاً محدد المعالم ولكنها رغم ذلك ذات تلازم لأن الشريعة التي قامت لخدمتها لا تتجزأ، وعليه فلابد للمتخصص في أي علم منها أن يركن تخصصه على معرفةٍ كلية بهذه العلوم، ولكن هذه المعرفة الكلية للمتخصص في أي واحد منها لا تغني عن الحاجة إلى متخصص بالدراسة الكلية إستقلالاً (1) ، لأن المتخصص الجزئي سيعود إلى تخصصه تدريساً وقراءة وتأليفاً ومعالجة، بحيث يستغرق فكرة هذا التخصص ومن ثم يغفل عن رعاية الجانب الكلي وعن الإرتباط الحيوي بين كليات النظم الشرعية، والواقع ماضياً وحاضراً يدل على ذلك..