وقد يقال إن هذا جار على عدم إمكانية وجود العالم المتمكن من كليات العلوم الشرعية وتفصيلاتها جميعاً وفي هذا شئ من المصادرة.
وهنا أقول إن الحق – كما أرى – هو ما سبق تقريره، إنه وإن كان هذا ممكناً بل متحققاً للصحابة والأئمة السابقين من بعدهم إلا انه أصبح صعباً بعد توسع العلوم وكثرة تفريعاتها وتشعب مناهجها، وإن تَحقق شئ من ذلك فلقلة من فحول العلماء معدودين كابن تيمية، وابن القيم وأمثالهما من ذوي الملكات الشمولية والموسوعية (2) . وقد يُقِّيض الله من أبناء الأمة الإسلامية من يملك مثل قدرات هذين الإمامين الجليلين.
من ذلك تتبين ضرورة وجود متخصص يبحث الكليات في نظم الإسلام وترابطها، وما إلى ذلك من متعلقات.
ويكون مثاله كالفيلسوف بين علماء الطبيعة، إذ لكل علم مجاله الخاص منهجاً، وموضوعاً، فالرياضيات مجالها الكم، والطبيعيات مجالها الحركة والتغير وعلم النفس مجاله الظواهر النفسية والسلوك … الخ.
والفيلسوف هو الذي يدرس موضوعات هذه العلوم في نظرة جامعة، ويعمل على الجمع بين عمومياتها، لينتج فلسفة موحدة ولهذا سماه (أوجست كونت) (ضابط الإتصال بين مختلف العلوم) (3) .
إذا يتبيَّن هذا فإن موقع علم الثقافة بين العلوم الشرعية المشار إليها يتجلى من خلال ما يلي:
1. أنه علم متميز بين هذه العلوم، ليس واحداً منها وليس جمعاً لها.
2. أنه لا يغني وجودها الجزئي المتخصص عنه، كما أنه رغم شموليته لا يغني عنها في تخصصاتها الدقيقة.
3. أن مقامه بين العلوم الشرعية عظيم، لجلالة موضوعه، وهو علم الكليات التي هي الأصل للجزئيات.
4. له صلة بكل علم منها، وهذا جار في كل علم من علوم الشريعة، لا يمكن الفصل بينهما تماماً.
فعلما التفسير والحديث مستندة في أخذ موضوعاتهما من المصدرين الشريفين كالعلوم الأخرى، أما العلوم الأخرى فإنها تبحث في الجزئيات التي تبحث في كلياتها، كما أن كلاً منها يبحث في كلياته المتعلقة بتخصص ذلك الكل.
وبهذه المقتطفات نكون وقفنا على جانب مهم مما يتعلق بنشأة هذا العلم والمجالات التي يمكن أن يغطيها من العلوم الإسلامية وسنقف على ما يزيد فهمنا لهذا العلم ويبين لنا أهميته ألا وهو الخصائص والسمات التي يتميز بها علم الثقافة الإسلامية.
الفصل الثالث: سمات ومميزات الثقافة الإسلامية
إذا ما أريد لبيان الشيء زيادة على تعريفه فإن الوقوف على سماته ومميزاته وخصائصه، وتزيد الأمر وضوحاً، وبين أيدينا هنا عدد من الخصائص التي تثبت تَميز الثقافة الإسلامية على غيرها من الثقافات في كل زمان ومكان، كيف لا وهي
(ثقافة عابدة تفرد الله بالعبودية ومن ثم بالحاكمية، فهي ثقافة حرة لأنها تحرر الإنسان من العبودية لغير الله وهي ثقافة عادلة) (1) وعدلها مأخوذ ومنبثق من كونها ربانية في أساس مادتها وسيأتي في تعداد سماتها وخصائصها أنها إنسانية، وعالمية، فهي ليست قومية ولا محلية ولا إقليمية، ومن ثم فهي تكره الإحتكار والإستغلال والظلم في كل زمان ومكان ومن أي شخص كان في كافة السلوك الإنساني حتى ولو كان هذا السلوك صادراً من الأنبياء، والآيات التي تثبت ذلك في القرآن كثيرة ومنها قوله تعالى لنبيه داوود (يا داوود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله …) (2) وهي ثقافة متعادلة فيها التوازن والوسطية في كل شئ لأن الإسلام كما تشير النصوص وسط في كل أحواله.
ومن خلال ما يأتي من الخصائص والسمات ندرك ذلك التميز وتلك الصفات الفريدة للثقافة الإسلامية والخصائص هي:
1. ثقافة ربانية: وتبرز هذه الخاصية والسمة من خلال ظاهرة الوحي الذي حدد الإطار العام للثقافة الإسلامية، وجعل منها ثقافة إنتماء إلى عقيدة التوحيد، فالمسلم في عقيدته تلك يعتقد أن الله هو الذي خلق هذا الكون وسخر ما في هذا الوجود لمصلحة الإنسان، وهذا التصور من المسلم يجعله ينظر للحياة بمنظار يختلف فيه عن الآخرين فهو يعلم أنه مستخلف عن الله في هذه الأرض وأن هذه الحياة ليست غاية وأن الغاية الأساسية هي الوصول إلى سعادة الآخرة وأن ذلك لا يتأتى إلا بسلوك الطريق الذي يرضي الحق سبحانه وتعالى، ويتلمس مكان تلك المرضاة في كل شان من شئون حياته، وهكذا ينظر الإنسان في هذا الكون فيرى فيه قدرة الباري سبحانه وعظمته وسلطانه فيسير في هذه الحياة على وفق السنن التي بثها الله فيه لا يخرج عنها، بل يكون المسلم وهو في أوج قوته وسلطته مؤمناً بربه خاضعاً له لا يداخله الغرور الذي داخل غيره عندما تَمكن من بعض أسباب الحياة كما عند الأوروبيين وغيرهم الذين غرهم تمكنهم من بعض تلك الأسباب.