ولقد أدركت الدول المعاصرة أن ثقافتها هي هويتها وأهم عناصر شخصيتها. لذا حرصت على حماية ثقافاتها بكل الوسائل التي توفر لها الأمن الثقافي من كل غزو فكري معادٍ حيث شاع في نظام الدول المعاصرة ما يعرف بالأمن الثقافي كل ذلك من أجل حماية الثقافة من كل ما يصادمها إذ لم يعد الغزو كما كان في الماضي عسكرياً أقصى ما يحقق إحداث تدميرٍ مادي محدودٍ بينما الغزو الفكري يضرب الأمة في الصميم (أي في شخصيتها وهويتها) . فماذا يبقى إذا ذهبت شخصية الأمة؟ بقدر ما تخترق ثقافة ما ثقافة أخرى وتصيبها في ثوابتها الثقافية بقدر ما تكون الأخيرة تابعة لها. وهذا بداية الانهزام ثم الانهيار كلياً وهنا تكون الكارثة ومن ثم ضياع الأمة لتحل محلها أمة أخرى من خلال ثقافة جديدة مغايرة ويمكن أن تبرز أهمية الثقافة من خلال رصد دورها في حياة الفرد وضرورتها للمجتمع وأهميتها للتربية وهذا بالنسبة للثقافة أي ثقافة. فكيف بالثقافة الإسلامية التي تعلم الفرد المسلم كيف يقوم بمهمته التي خلق من أجلها وتبصره كيف يعبد ربه على علم ونور وبصيرة. لاشك أن الأثر والأهمية أكبر.
أهمية الثقافة للفرد:
ينمو الفرد بيولوجياً سواءً عاش داخل مجتمع إنساني أو معزولاً عنه. لكن شخصية الفرد وتميزه وتكامل تلك الشخصية الإنسانية لا تتم ولا تنمو إلا في إطار إجتماعي إنساني، لذا يحق لنا أن نقول أنه لا شخصية للفرد بدون مجتمع ولا مجتمع بدون ثقافة، فالثقافة إذن هي الوسط الذي تنمو فيه شخصية الفرد، بمعنى أنها الوسيلة التي تُشكل أفكار الفرد، ومعتقداته، وخبراته، ودوافعه، وطرق تعبيره وإنفعالاته، كما أن الثقافة هي التي تحدد له المعايير والقيم التي يسترشد بها في سلوكه، وتفرض عليه العادات والتقاليد التي يتمسك بها، ومن هنا يؤكد علماء الإجتماع أن طابع الشخصية له علاقة وثيقة بنمط الثقافة الذي تعيش فيه هذه الشخصية، ومن هنا أمكن أن نقول إن شخصية الفرد صورة للثقافة التي نشأ فيها.
أهمية الثقافة للمجتمع:
يقول أحد الكتاب المسلمين في شأن هذه الأهمية للثقافة بالنسبة للمجتمع (إن هناك من يعتقد أن ثقافة المجتمع تتكون من مجموع ثقافات أفراده، وآخرون يعتقدون أن الفرد ليس إلا وحدة من تلك الوحدات العديدة التي تشكل فيها ثقافة المجتمع، وأياً كان الأمر فإن إمتلاك أفراد المجتمع لثقافة مشتركة أمر حيوي لشعور أعضاء هذا المجتمع بالوحدة وتسهيل سبل المعيشة والعمل المشترك، فالثقافة تحقق للمجتمع مجموعة من الوظائف الحيوية التي تُمكنه من تحقيق أهدافه المنشودة وثقافة المجتمع ترادف الشخصية القومية التي تحدد السمات العامة للأنماط السلوكية) (1) .
(وبهذا تختلف الشعوب عن بعضها وهذا الإختلاف يعزى في أساسه إلى إختلاف العقيدة والتقاليد والقيم والإتجاهات الفكرية ومجموعة المعاني والرموز التي تسود ثقافة المجتمع، فالشخصية القومية هي التي تستمد مقوماتها من خلال تربية المجتمع لأبنائه تربية يتشرب بها الصغار من الكبار الأنماط الثقافية المختلفة.
والثقافة تهيئ للأفراد وسائل التفاعل داخل الجماعة وهذا التفاعل بدوره يحقق مزيداً من الوحدة والتماسك بين أفراد المجتمع ويمنعهم من الوقوع في أي نوع من أنواع الصراعات المختلفة) (1) .
ولا يمكن في غمرة تأكيدنا على أن الأمة تحرص على ثقافتها وتحميها من أي إختراق من الثقافات الأخرى، لا يمكن بحال أن يعني ذلك بأن نقول إن الثقافة لا يمكن أن تتصل بالثقافات الأخرى وتتفاعل معها، فإن ذلك في الحقيقة يصادم تنمية هذه الثقافة ويمنع إيصال رسالتها إلى الأمم الأخرى، فإذا نمّت هذه الثقافة ذاتها من الداخل وحافظت على ميزاتها وخصوصياتها فلا يمنع أن تتصل بعد ذلك وتتواصل مع أي ثقافة أخرى يمكن أن تفيد منها، سواءً على مستوى الأفراد أو الجماعة.