تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإذا كان علماء القرن التاسع عشر يميلون إلى ربط مفهومهم للثقافة بالمسلمات الفلسفية التي راجت في ذلك العصر حيث كانوا غالباً ما يتحدثون عن الثقافة كشيء منفصل عن الأشكال الخارجية التي تنظم هذا المفهوم. فإن علم الإجتماع الحديث يرى أن الثقافة ينبغي النظر إليها كجزء لا ينفصل عن الواقع الإجتماعي الذي يعيشه الناس في ذلك المجتمع في صوره المختلفة.

التعريف اللغوي للثقافة:

بعد هذا الإستعراض المقتضب لكلمة ثقافة (مجردة) في المفاهيم غير العربية نحاول أن نستشف معنى هذه الكلمة من المعاجم العربية للغة فنجد أنها من باب (ثقف) وقد ورد هذا الفعل في القرآن الكريم في قوله تعالى (واقتلوهم حيث ثقفتموهم) (1) أي وجدتموهم أو أدركتموهم، وهنا ثقف من باب تعب وثقف تمكن من فهم الشيء أو العثور عليه، وبما أن العثور على الشيء تمكن منه فأصلهما واحد، وفي حديث الهجرة (هو غلام لقن ثقف) أي ذو فطنة وذكاء، والمراد أنه ثابت المعرفة بما يحتاج إليه، وقد جاء في أساس البلاغة للزمخشري، (ثقفناه في مكان كذا أي أدركناه) ، وثقفت العلم والصناعة في أقصر مدة إذا أسرعت أخذه، وثاقفه مثاقفة أي لاعبه بالسلاح (2) وفي لسان العرب لا يختلف التعريف عن هذا المعنى (يقال ثقف الشيء) وهو سرعة التعلم، وثقفت الشيء حذقته، ويقول صاحب كتاب الرائد ثقف يثقف ثقفاً وثقافة أي صار حاذقاً ماهراً، وثقف يثقف وثقافة وثقوفة الشيء تعلمه سريعاً ووردت أيضاً ثقف يثقفُ ثُقفاً، أدركه أو وصل إليه الشيء وظفر به ومنها قوله تعالى (وإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم) (3) ومنها ثقف الرمح أي قومه وسواه أو هذبه وعلمه (4) وإلى نفس المعنى تشير دائرة معارف القرن العشرين لفريد وجدي (المجلد الثاني) ثقف يثقف ثقافة فطن وحذق، وثقف العلم في أسرع مدة أي أسرع أخذه، ويؤكد صاحب المنجد في اللغة المعاني السابقة ويقول (الثقاف من النساء الفطنة، وثقف الرمح أو الولد، وقومه وسواه فتثقف أي هذبه وعلمه فتهذب وتعلم فهو مثقف وهي مثقفة) (5) .

وبهذا المفهوم اللغوي لكلمة ثقافة. لا يبعد المعنى المتداول على الألسنة في المجتمع العربي حين يشير الناس عادة إلى معنى (الثقافة) على أنه الفهم والحذق أو الخبرة بالشيء وفهمه وإدراك معانيه.

تعريف مختار:

.. ونختم هذه التعاريف بتعريف مختار هو (الثقافة في اللغة هي الفهم وسرعة التعلم وضبط المعرفة المكتسبة في مهارة وحذق وفطنة.

تعريف الثقافة في الاصطلاح:

... قبل أن نحدد مفهوماً إصطلاحياً للثقافة الإسلامية أرى أن نثبت هنا بعض التعاريف الإصطلاحية للثقافة عند غير المسلمين فنجد أن أحد الكُتاب الغربيين يحدد ذلك المفهوم وهو (هنري لاوست) بقوله (إن الثقافة هي مجموعة الأفكار والعادات الموروثة التي يتكون فيها مبدأ خلقي لأمة ما، ويؤمن أصحابها بصحتها وتنشأ منها عقلية خاصة بتلك الأمة تمتاز عن سواها) (1) .

ويُعرف (آرنست باركر) الثقافة بأنها (ذخيرة مشتركة لأمة من الأمم تجمعت لها وانتقلت من جيل إلى جيل خلال تاريخ طويل، وتغلب عليها بوجه عام عقيدة دينية هي جزء من تلك الذخيرة المشتركة والأفكار والمشاعر واللغة) (2) وفي اصطلاح مجموعة من الباحثين: أن الثقافة هي (مجموعة المعارف والجوانب الروحية الأصيلة من حياة الأمة ممثلة في تعاليمها الدينية وتقاليدها وأدبها وفنها وفلسفتها وأنظمة تفكيرها في الحياة والسلوك) (3) .

هذه بعض من تعاريف كثيرة ومختلفة في جانبها الإصطلاحي لكن نريد أن نستعرض بعض التعاريف التي عُرِّفت بها الثقافة الإسلامية إصطلاحاً ثم نحاول أن نختار أحدها على إعتبار أنه جامع مانع.

يقول أحد الكتاب المسلمين عندما حاول أن يعرف الثقافة الإسلامية: (إن ما نعنيه بالثقافة الإسلامية هي تلك المعارف والسبل التي تصوغ الفرد والمجتمع (لاسيما الشباب) صياغة إسلامية تسمح لهم بصياغة الواقع الذي يعيشونه وفق الرؤية الإسلامية للحياة على أنها ليست مجرد مجموعة المعلومات النظرية بل هي في إطار أنها إسلامية – تعني – تحويل الواقع العقلي والوجداني بطريقة تتمكن من أن يكون العقل والوجدان قادرين على تكييف الواقع الخارجي تكييفاً إسلامياً) (4) .

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ١٦٠٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ١٦٠٦