تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الفصل الخامس: العلاقة بين الثقافة والحضارة والعلم: وسنبين فيه تلك العلاقة الوثيقة بين هذه المسميات الثلاثة من خلال المفهوم الإسلامي للحضارة.

الفصل الأول: ماهية وأهمية وأهداف الثقافة الإسلامية

تمهيد:

لاشك أن عالمنا اليوم يموج بموجات فكرية شتى ويزخر بتيارات ثقافية عديدة ومما لاشك فيه أيضاً أن كل ثقافة لها منهجها الخاص بها وهدفها الذي تسعى لتحقيقه وأتباعها الداعون إليها، الأمر الذي يجعل الإنسان قبل أن يتبع أو ينحى منحى ثقافة معينة تنتابه الحيرة والتردد أمام كثرة الثقافات مختلفة المشارب والنوازع والتي تتميز بالتضارب في مناهجها وتوجهاتها. وتبدأ تتوارد في الذهن أسئلة كثيرة، أي ثقافة من هذه الثقافات صحيح؟ أيها منحرف وغير صالح حتى أتجنبه؟ أيها يروي ظمئي الفكري ويسد حاجتي العلمية؟ ثم أيها أحق بالإتباع وأيها أولى بالابتعاد؟ هل أنا مأمون الجانب إذا ما اخترت واحدة من هذه الثقافات من المزالق والإنحراف عن جادة الطريق فيما يصلح ديني ودنياي؟ إلى غير ذلك من التساؤلات.

وفي هذا البحث الذي بين أيدينا سنعرض لأهم هذه الثقافات المطروحة في الساحة، ألا وهي الثقافة الإسلامية والتي تجمع لمنتهجيها والعامل فيها أطراف علوم الدين الإسلامي، ونظمه والمفاهيم المتعلقة بتلك النظم وتجعل التابع لهذا الدين على وعي وقدرة في مجابهة أعدائه ونحن سنحاول أن نبرز بنزاهة أهمية هذه الثقافة وأنها الثقافة الأصلح والآمن لحياة سعيدة في الدنيا والآخرة.

ومن خلال ما يأتي من مباحث ومسائل يتبين كل ذلك، وأولها المفهوم الذي سيكون المدخل إلى هذا العلم. ويتضمن تعاريف الثقافة بصفة عامة والثقافة الإسلامية بصفة خاصة من حيث اللغة والإصطلاح.

مفهوم الثقافة

إن في عقولنا جميعاً مفهوماً مشتركاً عن الثقافة يخالطنا في كل لحظة من لحظات التفكير التي يأتي فيها ذكر الثقافة. ولكن قد يستعصي على الحد الجامع المانع كما يقول المناطقه لأننا لا نستطيع أن نُميِّز بسهولة بين ما هو من الثقافة وما ليس منها دون أن نستخدم مقياساً معيناً يكون سابقاً على البحث نصطنعه أو نصنعه (1) .

وإن كلمة ثقافة هي من الكلمات التي دار حول معناها الجدل كثيراً إذ أن هذه الكلمة لم تُعرف بهذا المسمى إلا في العصور المتأخرة سواء في التراث الإسلامي أو التراث الغربي الذي أخذت الكلمة عنه مع اختلاف المدلول بيننا وبينهم، وقبل أن نثبت ما دلت عليه الكلمة في معاجمنا العربية وما تدل عليه في اصطلاح تراثنا الإسلامي، نقف وقفة سريعة على معنى كلمة (ثقافة) في اللاتينية إذ تعني (CULTRE) فالمعنى يختلف عن المفهوم العربي للكلمة إذ هي تشتق من الكلمة (CULTUR)

أو (CULTUS) ومن الأصل (CULTIVARE) وتحمل الكلمة أساساً معنى زراعة (CULTIVATION) وإن اتسع المعنى والمفهوم بعد ليشير إلى معان أخرى كالتدريب

(TRAINING MENTAL) والرضاعة (FOSTERING) والزخرفة

(ADORMENT) والعبادة (WORSHIP) والعقيدة (CULT) وإن كانت كل هذه الاصطلاحات والمعاني سواء ما استخدم فيها بمعنى وصفي أو وظيفي إنما تُعبِّر عن تهذيب شئ ما وتحسينه أو تنميته ويرى أحد الكتاب الغربيين وهو (كهلر)

(KOHLER) أن مفهوم الكلمة الذي يشير إلى زراعة إنما يرجع إلى العصر الوسيط حين كانت توصف عبادة الله بأنها بمثابة زراعة في أرض الله، أو لله تؤدي إنتاجها في الآخرة (2) .

ولكن مالك بن نبي المفكر الإسلامي والكاتب المعروف يرى أن مفهوم ثقافة (CULTURE) إنما هو ثمرة من ثمار عصر النهضة ظهر عندما شهدت أوروبا في القرن السادس عشر الميلادي فجر عصر جديد من الإنتاج في القيم وفي الفكر والأدب والفن وأن علينا أن نترجم ظاهرة الثقافة تلك في ضوء العقلية الأوروبية بعامة والفرنسية بخاصة، لأن الأوروبي والفرنسي بالذات في رأيه أن (المثقف) هو إنسان الأرض وأن حضارة أوروبا في جوهرها هي حضارة الزراعة، وأن عمليات الزراعة من إستنبات، وحرث، وري، وبذر، وحصد ذات دور هام في صياغة نفسية الأوروبي ورموز حضارته. مما جعله يطلقها – أي الزراعة – إطلاقاً مجازياً على الفكر حين يتعاظم إنتاجه في فترة ما، ولهذا فإن هذه الإستعارة أُطلقت على واقع إجتماعي فخلقت مفهوماً جديداً هو مفهوم الثقافة (1) .

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ١٦٠٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ١٦٠٥