فإن وصف الله (بالوجود المطلق هذا هو غاية ما أثبته الفلاسفة، كما أن ادعاء التعين في الخيال أو المثال هو عالم المثل عند أفلاطون، ثم دعوى الحقيقة المحمدية المشابهة للوجود المطلق هي دعوى الفلاسفة المؤلهة بالنفس الكلية المشابهة للأول.
وكذلك دعوى انبثاق الوجود من الحقيقة المحمدية هي دعوى أولئك انبثاق الوجود من النفس الكلية على الترتيب نفسه: الأرواح ثم العناصر. تشابهت قلوبهم وأقوالهم فحذو حذوهم حذو القذة بالقذة.
المطلب الثالث: قول فلاسفة الصوفية في وحدة الوجود.
الصوفية وخاصة ابن عربي ومن تأثر بقوله بنوا على دعواهم في الوجود المطلق لله (الذي هو عندهم لا صفة له ولا حد دعوى وحدة الوجود وهي دعوى بطنَّها وسترها ابن عربي في كتابه ((عنقا مغرب)) ولكنه صرح بها في كتابه ((فصوص الحكم)) وصرح بها من جاء بعده.
فيقول ابن عربي في كتابه ((عنقا مغرب)) أثناء تخيله لمحاورة خرافية بين أسماء الله (يبدو منها رغبة الأسماء في ظهور حقائقها وبروز أعيانها بالذوات وفي هذا يقول: ((فوزعت الأسماء (1) كلها مملكة العبد الإنساني على هذا الحد الرباني،وتفاخرت في الحضرة الإلهية الذاتية بحقائقها، وبينت حكم مسالكها وطرائقها،وتعجلوا في وجود الكون رغبة في أن يظهر لهم عين (2) فلجؤا إلى الاسم المريد الموقوف عليه تخصيص الوجود، وقالوا:سألناك بهذه الحضرة التي جمعتنا والدار التي تسلمتنا إلا ما علقت نفسك بهذا الوجود المنتظر فأردته، وأنت يا قادر سألتك بذلك إلا ما أوجدته ... إلى أن قال: فتوقف الأمر على جميع الأسماء وأن بجملتها وجود عالم الأرض والسماء وما بينهما إلى مقام الاستواء ... إلى أن قال: فعندها (3) وقع هذا الكلام الأنفس في هذا الجمع الكريم الأقدس تعطشت الأسماء إلى ظهور أثارها في الوجود ولا سيما الاسم المعبود)) (4) .
فابن عربي يزعم في هذا الكلام الخرافي:أن الوجود هو مظهر عين أسماء الله، فإنها لم يكن لها وجود ذاتي إلا بهذا الوجود المحسوس، وقد صرح عن مذهبه هذا أكثر في كتابه ((الفصوص)) فقال: ((فما في الوجود مثلٌ، فما في الوجود ضد، فإن الوجود حقيقة واحدة والشيء لا يضاد نفسه (5) .
فلم يبق إلا الحق لم يبق كائن
فما ثم موصول وما ثم بائن
بذا جاء برهان العيان فما أرى
بعيني إلا عينه إذ أعاين
وقال: فهو هو لا غيره فكل ما تدركه فهو وجود الحق في أعيان الممكنات، فمن حيث هوية الحق فهو وجوده، ومن حيث اختلاف الصور فيه هو أعيان الممكنات، فكما لا يزول باختلاف الصور اسم الظل كذلك لا يزول باختلاف الصور اسم العالم أو اسم سوى الحق، فمن حيث أحدية كونه ظلاً هو الحق،لأنه الواحد الأحد، ومن حيث كثرة الصور هو العالم،فتفطن وتحقق ما أوضحته لك، وإذا كان الأمر على ما ذكرته لك، فالعالم متوهم ما له وجود حقيقي، وهذا معنى الخيال أي خيل لك أنه أمر زائد قائم بنفسه خارج عن الحق وليس الأمر كذلك في نفس الأمر ... لأنه يستحيل على الشيء الإنفكاك عن ذاته)) (1) .
وقال أيضاً عن مراتب الوجود: ((فإن الوجود منه أزلي وغير أزلي وهو الحادث، فالأزلي وجود الحق لنفسه وغير الأزلي وجود الحق بصورة العالم الثابت، فيسمى حدوثاً لأنه ظهر بعضه لبعضه، وظهر لنفسه بصور العالم، فكمل الوجود، فكانت حركة العالم حبيَّة للكمال فافهم، ألا تراه كيف نفس عن الأسماء الإلهية ما كانت تجده من عدم ظهور آثارها في عين مسمى العالم فكانت الراحة محبوبة له ولم يوصل إليها إلا بالوجود الصوري الأعلى والأسفل فثبت أن الحركة كانت للحب)) (2) .
ومثل ابن عربي قال تلميذه وربيبه محمد بن إسحاق القونوي (3) حيث زعم أن الحق هو الوجود المطلق، والفرق بينه وبين الخلق من جهة التعيين فإذا عين كان خلقاً، وإذا أطلق الوجود كان حقاً (4) .