ومثله قال التلمساني (5) حيث يجعل الوجود هو الصورة بكثرتها وتنوعها، ولكنه يزعم: أن الصورة لها اسم من حيث هي صورة في متصور قائم بذاته وهي قائمة به وللمتصور من حيث هو موصوف بها اسم.
ويقصد بالصورة المخلوقات، والمتصور هو الله تعالى الله عن قولهم، ويجعل هذا المتصور من حيث هو بدون الصورة ليس قابلاً لشيء من الصفات وفي هذا يقول: ((وللمتصور من حيث هو لا من جهتها لا وصف ولا نعت ولا اسم ولا رسم ولا حد)) .
وهو يزعم أن لا انفكاك للصورة عن المتصور حيث يقول: ((ولم يصح الإخبار عن مطلق الصورة إلا ومطلق المتصور ضمناً، ولا عن محيط المتصور إلا والصورة ضمناً، فالمتصور بالصورة يسمى بظاهر الصورة: ظاهراً، وبباطنها: باطناً، ويحكم عليه بكل حكم قبلته الصورة من إطلاق وحصر وغيبة وحضور وأحدية وكثرة وجمع وتفرقة وسذاجة ولون وحركة وسكون إلى ما لا ينضبط كثرة من الأسماء والصفات ... وللمتصور من حيث هو لا من جهتها لا وصف ولا نعت ولا اسم ولا رسم ولا حد)) ، ثم ذكر أن المنظور يحكم له حسب المخاطب به خالق أو مخلوق، وفي هذا يقول: ((فإن كان الكثرة والتعدد وأخواتها فاعلم: أن المخاطب به هو الصورة، والخلق يتصورها وصفاً وإن غلبت الوحدة وأخواتها فالمخاطب بذلك المتصور الحق ... ثم قال: فالوجود واحد وهو القائم بجميع الصور غير الخالي عنها على التعاقب، والصور هي الهالكة دوماً المتعاقبة دواماً كائنة فانية شاهدة غائبة قديمة حديثة موجودة معدومة)) (1) .
ومثله الزنديق الآخر ابن الفارض حيث يقول في تائيته:
ولا فلك إلا من نور باطني
به ملك يَهدي الهدى بمشيئتي
ولا قَطْر إلا حل من فيض ظاهري
به قطرة عنها السحائب سحت
ولولاي لم يوجد وجود ولم يكن
شهود ولم تعهد عهود بذمة
فلا حي إلا من حياتي حياته
وطوع مرادي كل نفس مريدة
وكل الجهات الست نحوي توجهت
بما تم من نسك وحج وعمرة
لها صلواتي بالمقام أقيمها
وأشهد فيها أنها لي صلت
أو كلانا مصل عابد وساجد
إلى حقيقة الجمع في كل سجدة (2)
ولا شك أن هذا الزنديق قد فاق إبليس جرأة، وتفوق على فرعون طغياناً وكفراً، فقد صرح بما لم يصرح به إبليس، وتبجح بما لم يتبجح بمثله فرعون. والعجب ليس من الكافر أن يصرح بالكفر فإن الإنسان ظلوم كفور، ولكن العجب كل العجب ممن يعتقد صلاح هؤلاء الزنادقة أو ولايتهم أو أنهم يحبون الله أو يعظمونه فإن المسلم لا يتمالك نفسه حين يسمع مثل هذا من أن يقول: سبحانك هذا بهتان عظيم.
ومثله في الضلالة من يُسمى ابن عامر (1) حيث يقول:
نظرت فلم أبصر سوى محض وحدة
بغير شريك قد تغطت بكثرة
تكثرت الأشياء والكل واحد
صفات وذات ضمناً في هوية
فأنت أنا لا بل أنا أنت وحدة
منزهة عن كل غير وشركة (2)
ومثلهم قال عبد الغني النابلسي حيث يقول في شرحه لكتاب
((التحفة المرسلة في علم حقيقة الشريعة المحمدية)) : ((واعلموا أيضاً (أن ذلك الوجود) المحض الذي هو الحق تعالى هو (حقيقة جميع الموجودات) أي الماهيات المحسوسة والمعقولة وصفاتها وأحوالها من حيث هي موجودات، ولهذا سماها الموجودات (وباطنها) أي باطن جميع الموجودات حيث هي المنظور إليها ... ثم قال: إن الخالق الحق هو وجود جميع الموجودات ولا يكون هناك للموجودات وجود حادث أصلاً، وإنما هو الوجود القديم الحق ظهر بما قدره وصوره من المعدومات)) (3) .
هذا إفكهم وما يفترون، ونسألهم عن قولهم هذا هل الله أخبرهم بذلك أم على الله يفترون؟ لا شك أنهم على الله يفترون، وسيحكم الله (بين عباده فيما كانوا فيه يختلفون.
المطلب الرابع:الرد على فلاسفة الصوفية في دعوى وحدة الوجود.
هذا القول وهو دعوى وحدة الوجود لم يظهر صريحاً قبل ابن عربي في المسلمين، وقد تابعه عليه العديد من ملاحدة الصوفية وصارت تحوم حوله أقوالهم إشارة مرة وتلويحاً مرة وتصريحاً أخرى.