وهذا الكلام مضمونه لا عقل ولا شرع، فالمادة لا بد لها من الصفة والاسم والرسم وإلا لم تكن مادة.
وفلاسفة الصوفية مسبوقون بهذا الضلال حيث أخذوا ذلك عن ملاحدة الفلاسفة الذين ينفون وجود الخالق ويثبتون المادة فقط،ثم أضافوا إليه قول الفلاسفة المؤلهة (6) ، وركبوا من مجموع ذلك كله قولاً واحداً،وهو أن المادة هي الإله وأنها لا صفة لها ولا رسم ولا حد، فجمعوا ولفقوا قولاً من المقالتين الفاسدتين الضالتين.
ويكفي حكاية هذه الأقوال عن ردها وبيان بطلانها إذ حكايتها كاشفة لتهافتها وسخافتها وأنها مقالة مجردة عن العقل والدين، وليس فيها إلا ترديد مقالة الوثنيين بدون أن يكون هناك عقل يميز أو دين يهدي ويرشد.
المطلب الثاني: قول فلاسفة الصوفية في إيجاد الكائنات.
لم يختلف قول ابن عربي واخوانه من فلاسفة الصوفية عن أسلافهم من الفلاسفة الوثنيين بشيء سوى أنهم أضفوا عليها أسماءً قد تكون إسلامية تمويهاً وتلبيساً فهو يزعم أن الله تعالى هو هذا الوجود كله وأنه ظهر في شكل هذه المخلوقات العلوية والسفلية، ويزعم أن الوجود تقاسمته أسماء الله (وأعظم هذه الأسماء هو الحقيقة المحمدية التي هي عنده عبارة عن مجموعة من الأسماء الإلهية وهي حسب كلامه: الرحمن الرحيم العظيم الخبير العلي الكريم الحميد (1) .
فأنشأ أولاً من هذه المجموعة من الأسماء ما سماه ابن عربي سيدنا محمد حيث يقول: ((وأول النشئ نشأ سيدنا محمد (على أكمل وجه وأبدع نظام بحر اللؤلؤ والمرجان المودع في العالم الأكبر والإنسان، ولما تعلقت إرادة الحق سبحانه يإيجاد خلقه وتقدير رزقه برزت الحقيقة المحمدية من الأنوار الصمدية في الحضرة الإلهية وذلك عندما تجلى لنفسه بنفسه من سماء الأوصاف ...
ثم قال: فكمن فيه كمون تنزيه ودخل جوده في حضرة علمه فوجد الحقيقة المحمدية على صورة حكمه، فسلخها من ليل غيبه فكانت نهاراً وفجرها عيوناً وأنهاراً، ثم سلخ العالم منها فكانت سما عليهم مدرارا وذلك أنه سبحانه اقتطع من نور غيبه قطعة لم تكن متصلة فتكون عنه عند التقاطع منفصلة (2) ... ثم قال: ولما اقتطع القطعة المذكورة مضاهية للصورة أنشأ منها محمداً (على النشأة التي تنجلي أعلامها ولا يظهر من صفاته إلا أحكامها ثم انقطع العالم كله تفصيلاً على تلك الصورة وأقامه متفرقاً على غير تلك النشأة المذكورة)) .
هذا قوله في انشاء الصور، ثم ذكر بعد ذلك إنشاء العالم المحسوس من الحقيقة المحمدية أولاً: الماء ثم الأرواح ثم العرش ثم الكرسي ثم أرواح الكواكب ثم العناصر الأولى للكون وهي التراب والهواء والنار ثم أنشأ السموات والأرض من العناصر الأربعة)) (1) .
ومثله في الضلالة عبد الغني النابلسي حيث جعل لوجود الله سبع مراتب ناقلاً ذلك عن عبد الكريم الجيلي (2) وهذه المراتب هي:
الأولى: مرتبة اللاتعين وذلك أنه وجود منزه عن النعوت والصفات وتسمى الأحدية.
الثانية: مرتبة التعين الأول ويعني ذلك علمه سبحانه بنفسه على سبيل الإجمال وتسمى مرتبة الوحدة وتسمى أيضاً الحقيقة المحمدية.
الثالثة: مرتبة التعين الثاني ويعني بذلك علمه بذاته وصفاته تفصيلاً وتسمى مرتبة الواحدية وتسمى الحقيقة الإنسانية، فهذه المراتب كلها قديمة أزلية.
الرابعة: مرتبة الأرواح.
الخامسة: مرتبة عالم المثال ويعني صور الأشياء التي ستوجد وهي في الخيال.
السادسة: مرتبة عالم الأجسام المؤلفة من العناصر الأربعة: النار والهواء والماء والتراب.
السابعة: الجامعة لجميع المراتب وهي: الجسمانية وهي: مرتبة التجلي والانكشاف الإلهي الأخير وهو الإنسان المطلق أو الإنسان الكامل (3) .
فهذه الأقوال كلها مبنية على قول الفلاسفة الوثنيين وهي خلط لقول الفلاسفة المؤلهة مع قول الفلاسفة أصحاب وحدة الوجود مع خلط ذلك بمسميات واردة في الشرع، مثل: محمد (والعرش والكرسي.