تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ونحن نقول: لئن لم يكن ذلك القول وتلك التصورات كفراً فلا يوجد في الدنيا في الحقيقة كفر، لأن هؤلاء قد نطقوا بما هو أشد من كفر اليهود والنصارى والمشركين، وكثير من الكتاب يشير إلى أن وحدة الوجود هي غاية أكثر المتصوفة التي يسعون إليها، ويرمزون للحديث عنها بألفاظ تشكل على من كان من غير طريقتهم ومنهجهم، وأن مقصدهم في جميع رياضاتهم الوصول إلى هذه الغاية وهي وحدة الوجود أو وحدة الشهود (4) .

ونرى ابن الفارض الذي يسميه الصوفية العاشق الإلهي يخاطب في أبياته السابقة الذات الإلهية خطاب الأنثى،ومثله شيخه ابن عربي في هذا الانحلال والزندقة،فيقول أخزاه الله بعد فلسفة فارغة في ظهور الله (بشكل المرأة:

((فشهوده -يقصد النبي (- للحق -يقصد الله (- (1) في المرأة أتم وأكمل لأنه يشاهد الحق من حيث هو فاعل منفعل ... فشهود الحق في النساء أعظم الشهود وأكمله، وأعظم الوصلة النكاح)) (2) .

فهذا الشيخ الضال المضل المفتون يسميه الصوفية: الشيخ الأكبر والكبريت الأحمر، والقطب والغوث، وما إلى ذلك من الألقاب ويكفى في بيان انحرافه وكفره ما ذكرنا عنه وصدق الله القائل ﴿إن يدعون من دونه إلا إناثاً وإن يدعون إلا شيطاناً مريداً لعنه الله وقال لاتخذن من عبادك نصيباً مفروضاً ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ومن يتخذ الشيطان ولياً من دون الله فقد خسر خسراناً مبيناً﴾ النساء (117-119) .

وقد أطلت في بيان هذه المرحلة لارتباطها بموضوعنا.

المطلب الأول: قول فلاسفة الصوفية في وجود الله (وصفاته

لم يختلف قول فلاسفة الصوفية عن شيوخهم من الفلاسفة الوثنيين. وإليك أقوال بعضهم:

يزعم ابن عربي الحاتمي الطائي أن الله واحد لا صفة له ولا اسم، وإنما له وجود مطلق وليس له صفة سوى الأحدية. وفي هذا يقول في كتابه الفصوص:

((أما الأحدية الإلهية فما لواحد فيها قدم لأنه لا يقال لواحد منها شيء ولآخر منها شيء لأنها لا تقبل التبعيض فأحديته مجموع كله بالقوة)) (3) .

ويقول في موضع آخر: ((فمن حيث هوية الحق هو وجوده)) (4) .

وقال: ((وقد كان أحدي العين من حيث ذاته كالجوهر الهيولاني أحدي العين من حيث ذاته)) (5) .

وقال في كتابه ((عنقا مغرب)) : ((إن معرفة الياقوت الأحمر أن لا يعرف ولا يحد ولا يوصف)) (6) .

وقال أيضاً: ((فغاية معرفتنا أنه موجود وأنه الخالق والمعبود، وأنه السيد الصمد المنزه عن الصاحبة والولد، وهذا كله راجع إلى التنزيه وسلب التشبيه فتعالى أن تعرف منه صفات الإثبات، وجل أن تدرك كنه جلاله المحدثات)) (7) .

ومثله قال ابن سبعين (1) : ((إن الخالق والمخلوق هو مجموع المادة والصورة وأن ما يخص الخالق تبارك وتعالى من ذلك هو المادة وأنه بدون الصورة لا صفة له وفي هذا يقول: ((وللمتصور من حيث هو لا من جهتها -أي بدون الصورة- لا وصف ولا نعت ولا اسم ولا رسم ولا حد وإن كان له شيء من ذلك كله ولكن بأول مرتبة صورية إطلاقية فله الاطلاقات الأحدية)) (2) .

ومثله عبد الغني النابلسي (3) حيث قال في شرحه لكتاب محمد بن فضل الله الهندي (4) التحفة المرسلة في علم حقيقة الشريعة المحمدية: ((إن الحق (هو الوجود المحض عن قيوم الماهيات كلها المحسوسات والمعقولات وليس له تعالى ماهية أصلاً غير الوجود المحض. ثم قال: إن ذلك الوجود المحض ليس له شكل أي صورة محسوسة أو معقولة ولا حدَّ، أي مقدار)) (5) .

فهذه الأقوال المتناقضة والمتهافتة في وصف الله تبارك وتعالى هي دعوى من سبقهم من الفلاسفة الوثنيين في عدم وصف الله تبارك وتعالى بشيء من الصفات الثبوتية، إلا أن هؤلاء الضلال اختلفوا عن أشياخهم السابقين بزعمهم أن الله تبارك وتعالى هو المادة أو الجوهر بدون صورته، وزادوا على هذا الضلال أن تلك المادة والجوهر لا صفة لها البتة ولا اسم ولا رسم.

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ١٥٦٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ١٥٦٩