تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد وقع من بعض المسلمين بعد عصر الصحابة تشدد في الدين وتزهد غير مشروع، وعبادة وتبتل غير مشروع رغبة في الوصول إلى رضوان الله (وكان أكثر ذلك في البصرة التي اشتهرت بكثرة العباد والزهاد.

وقد قسم شيخ الإسلام الصوفية إلى ثلاثة أصناف وذلك باعتبار انتمائهم إلى المذهب الصوفي وهي:

صوفية الحقائق: وهم الذين كانوا أهل صدق في الزهد وكثرة العبادة والمجاهدة من المتقدمين منهم كما سيأتي الإشارة إليهم.

صوفية الأرزاق: وهم الذين وقفت عليهم الوقوف ولزموا تلك الخوانك وكانوا أهل استقامة والتزام بالآداب الشرعية.

صوفية الرسم: وهم المقتصرون على النسبة،فهمهم اللباس والآداب الوضعية،فهؤلاء لهم من النسبة الاسم فقط (3) .

ويمكن أن نقسم التصوف باعتبار ما مر به من مراحل إلى ثلاث مراحل:

المرحلة الأولى: مرحلة المجاهدة للطبع والرياضات والنفسية وتعذيب النفس بغية الوصول إلى صفاء الروح والنفس،وعلى هذا جمع من المتقدمين ممن يروى عنهم ذلك، مثل: السري السقطي (1) ، والجنيد، وسهل التستري (2) وغيرهم.

المرحلة الثانية: مرحلة المصطلحات الغامضة والألفاظ الغريبة

مثل: جمع الجمع، والمحاضرة والمكاشفة، والمشاهدة ونحو ذلك،مما يحمل معاني يمكن تفسيرها حقاً وباطلاً.

المرحلة الثالثة: القول بالحلول ووحدة الوجود (3) .

إن أكثر ألفاظ الصوفية وأحوالهم التي يسعون إلى التحلي بها والوصول إليها تدور حول فناء النفس بالذات الإلهية إما تصوراً أو حقيقة فيما يزعمون، وهي أحوال مبتدعة لم يسع إليها الرسول (ولا أصحابه من بعده.

وأقرب ما تكون تلبيسات شيطانية وتغريرات إبليسية، ولأنها باطلة ومبتدعة فإنها قادت إلى ما هو أشد انحرافاً وخطورة وهو ما آل إليه حال كثير من ضلال الصوفية في القرون المتأخرة وهو القول بالحلول أو الاتحاد أو وحدة الوجود.

والمراد بالحلول أن الله (وتعالى عن قول الظالمين يكون حل فيهم فصار الشخص منهم مكاناً لله تعالى.

وممن يعزى إليه القول بالحلول الحسين بن منصور الحلاج الذي قتل في بغداد على الزندقة سنة 309هـ فقد نسب إليه قول:

سر سنا لاهوته الثاقب

سبحان من أظهر ناسوته

في صورة الآكل والشارب

ثم بدا في خلقه ظاهراً

كلحظة الحاجب بالحاجب (4)

حتى لقد عاينه خلقه

أما الاتحاد فهو اتحاد المخلوق بالخالق، تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً.

ومن جنس ذلك ما يعزى إلى أبي يزيد البسطامي أنه قال:

((رفعني مرة فأقامني بين يديه وقال لي: يا أبا يزيد إن خلقي يحبون أن يروك فقلت: زيني بوحدانيتك وألبسني إنيتك وارفعني إلى أحديتك حتى إذا رآني خلقك قالوا: رأيناك، فتكون أنت ذاك ولا أكون أنا هنا)) (5) .

أما وحدة الوجود فتعني أن الله تعالى عن قولهم هو هذا الوجود من حولنا، وأن كل واحد من المخلوقات مظهر من مظاهر ذلك الوجود كما سيأتي.

وكان من أكبر من أظهر هذ الزندقة محيي الدين بن عربي الحاتمي الطائي (1) الذي قال في كتابه الفتوحات المكية:

الرب حق والعبد حق

ياليت شعري من المكلف

إن قلت عبد فذاك رب

أو قلت رب فأنى يكلف

ومن تلامذته الزنديق الآخر عمر بن علي الحموي المصري (2) الملقب بابن الفارض وهو صاحب التائية المشهورة، ومنها قوله:

وأ شهد أنها لي صلت

لها صلاتي بالمقام أقيمها

حقيقة الجمع في كل سجدة

كلانا مصل عا بد سا جد إلى

صلاتي لغيري في أدا كل ركعة

وما كان لي صلى سواي فلم تكن

ولا فرق بل ذاتي لذاتي أحبت

وما زلت إياها وإياي لم تزل

وذاتي بذاتي إذا تحلت تجلت (3)

ففي الصحو بعد المحو لم أك غيرها

فهذا الكفر والزندقة هو الذي آل إليه أمر بعض كبارالصوفية المتأخرين، وهو كفر ظاهر، بل هو أشد كفراً من كفر اليهود والنصارى. وتجد بعض الصوفية الذين يمجدون ابن عربي وابن الفارض وغيرهم، وقد يرددون كلامهم، إذا خشي من الناس فإنه سيعتذر عنهم بأنهم لم يقصدوا ما قالوا.

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ١٥٦٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ١٥٦٨