تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبه يتبين أن قول هؤلاء المتفلسفة باطل بداهة وهو لا يمث بصفة إلى العقل الذي يزعمون أنهم أربابه والملتزمون بأحكامه ولا يمت إلى الشرع الذي يزعمون أنهم ينتسبون إليه ويؤيدونه بدلالتهم العقلية، وأن قولهم لا يخرج عن الخرص والظن الباطل أرادوا إتباعه غروراً وهوى.

المبحث الثاني: قول فلاسفة الصوفية أصحاب وحدة الوجود

تمهيد: التعريف بالصوفية

قبل أن نذكر قول فلاسفة الصوفية نعرف بالصوفية تعريفاً موجزاً فنقول:

الصوفية مذهب من المذاهب المبتدعة بني في أصله على الزهد، وغلا فيه المنتسبون إليه، واتسع على أهله الخرق، ونأى به الانحراف إلى بدع ضالة تصل عند بعضهم إلى الكفر والخروج عن دين الاسلام كما سيتبين.

والصوفية لغة: اختلف كلام الناس في بيان اشتقاقها:

وأقرب ما يكون اشتقاق كلمة الصوفية من الصوف،وهو ما يكون في الضأن ويقوم مقام الشعر في المعز.

ولبس الصوف هو مما يتميز به الصوفية في الأصل لأنه يشعرهم بالزهد والتخلي عن ناعم الثياب إلى خشنها (1) .

الصوفية اصطلاحاً: يختلف الصوفية في بيان مذهبهم إلى أقوال وتعريفات كثيرة مثل:

قول الجنيد (2) : التصوف هو أن يميتك الحق عنك ويحييك به.

وقال الحسين بن منصور (1) وقد سئل عن الصوفي فقال: هو وحداني الذات لا يقبله أحد ولا يقبل أحداً.

وقال أبو سهل الصعلوكي (2) : التصوف الإعراض عن الاعتراض (3) .

إلى غير ذلك من الأقوال.

وهذه التعريفات السابقة تنبئ عن وجه من أوجه التصوف، إلا أنا إذا نظرنا إلى التصوف بمنظار أشمل يعم كثيراً من السابقين واللاحقين، فيمكن أن نقول عنه:

إن التصوف هو: مذهب أوله الابتداع في الزهد والمجاهدة والأذكار ثم غلا بعض المنتسبين إليه،حتى صار غايته عندهم الحلول ووحدة الوجود.

نشأة الصوفية وتطورها:

إن ظاهر ما يقوم عليه التصوف هو الزهد وترك الدنيا هذا ظاهر أمر الصوفية وأصله، والزهد في الدنيا وإيثار الآخرة مطلوب شرعاً إلا أن الطريقة فيه مسنونة من قبل النبي (، فقد كان أكمل الزهاد وأعظمهم، ومن بعده أصحابه رضوان الله عليهم، ولا يتنافى مع الزهد المشروع أكل الطيبات وكسب الطيبات لأن الزهد المشروع هو: عدم الحرص على الدنيا والتنافس فيها وتقديمها على الآخرة بل اعتبارها مزرعة للآخرة، فيأخذ العبد منها ما يعينه على العبادة ويقربه من ربه (مع عدم اشغالها للعبد عن العبادة، ومع عدم دخولها قلبه، وعدم التفريط في الواجب من أجلها، بل يسعى في تحصيلها لينفقها في سبل الخير ومرضات الله (، ويتخذها مطية إلى أرفع الدرجات في الآخرة وقد قال عليه الصلاة والسلام كما روى البخاري عن ابن مسعود (مرفوعاً: ((لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً فسلط على هلكته بالحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها)) (4) .

وروى أبو نضرة (1) قال، قال رجل منا يقال له جابر أو جويبر. قال: أتيت عمر بن الخطاب وقد أعطيت منطقاً، فأخذت في الدنيا فصغرتها، فتركتها لا تسوى شيئاً، وإلى جنبه رجل أبيض الرأس واللحية والثياب، فقال: كل قولك مقارب إلا وقوعك في الدنيا، هل تدري ما الدنيا؟ فيها بلاغنا، أو قال: زادنا إلى الآخرة، وفيها أعمالنا التي نجزى بها. قلت:من هذا ياأمير المؤمنين؟ قال: هذا سيد المسلمين أبي بن كعب" (2) .

فما كان أصحاب رسول الله (يذمون من الدنيا إلا ما كان منها ملهياً عن طاعة الله أو وسيلة إلى ذلك.

وعليه فالزهد المشروع والصحيح هو الوسط الذي كان نبي الله (عليه وأصحابه.

كما أن العبادة المشروعة هي ما كان عليه نبي الله (وجاء بها الإسلام. وكل ما تعدى حدود المشروع سواء كان في الإفراط في الشيء وذلك بالإكثار منه والتعمق فيه زيادة على المشروع فهو مذموم، أو كان في التفريط بالشيء وذلك بتضييع الأمر وعدم مراعاة حدوده الشرعية فهو مذموم أيضاً، وكلما زاد الانحراف والتعدي زاد الذم والبطلان.

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ١٥٦٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ١٥٦٧