فهذا مرفوض عقلاً، كما لو قلنا: إن أحداً من الناس تخيل خيال طائرة، ثم الطائرة التي تخيلها بذهنه أنتجت حصاناً محسوساً، فلو قال قائل ذلك، لقيل له: هذا كذب وجنون.
فلو قال قائل: إن ما يتعلق بالعقل الأول، أو العقل الفعال أو نحوه، يختلف عما عليه الإنسان، لقلنا له ومن أخبرك بذلك؟ هل اطلعتم على تكوين العقل الأول ومادته وفعله، أم تخرصون وتخبطون؟ لا شك أنهم يخرصون ويخبطون.
د- أن ما نسبوا إليه إيجاد الكون والمخلوقات هي أشياء عاجزة تماماً، فإن العقل الأول أو النفس أو مجموعهما أمور معنوية عاجزة، يدل على عجزها في دعواهم أنه لم يصدر عن كل واحدة منها إلا شيء واحد، أو شيئان أو ثلاثة أشياء، وهذا دليل عجزها وضعفها.
وإذا نظرنا إلى الكون والمخلوقات الموجودة فيه، فإنها أقوى وأقدر بكثير مما زعموا أنه أصلها ومادتها.
فالشمس تنتج ما لايحصى من الأنواع العديدة من أجناس الأشعة وأصناف أخرى محسوسة كالنور والحرارة. والأرض تنتج ما لايحصى من المكونات والنباتات والمواد الكثيرة المتنوعة، التي تتكون منها، والتي تصدر عنها، فإذا كان هذا في المخلوقات، فمعنى ذلك هي أعظم من موجدها فيما يزعمون.
هـ - إن المخلوقات مكونة من شيئين: روح ومادة، أما الروح فلا نعلم كنهها ومادتها، أما المادة الموجودة في المخلوقات التي تحيط بنا، فإن لها مكونات لا نكاد نحصيها كثرة، من تراب وماء وهواء ونور ونار وخشب ومعادن وحيوانات
لها تكوين آخر تتكون منه، مثل: الدم والعصب والعظم، وكل نوع من هذه الأنواع مكون من مكونات عديدة كثيرة، لا يعلم احصاءها إلا الذي خلقها.
فكيف أمكن لما يسمونه العقل أو النفس أو هما معاً أن يوجدا تلك المكونات العديدة المتنوعة، وهما فاقدان لها، وكيف أمكن لهما أن يوائما بينها تلك المواءمة العجيبة، التي تدل على علم وحكمة متناهية لا يمكن أن تعزى إلى أمور معنوية لا حقيقة لها خارج الأذهان، وهوما يسمونه العقل أو النفس.
كما أنه لا يمكن لهما بحال أن يرعيا تلك المواد ويحققا لوجودها هذا الأثر العظيم الذي نراه في أنفسنا، وفيما حولنا من المخلوقات على هذه الأرض.
فبعد وجود المواد لا بد لها من الرعاية والعناية، وإلا فإنه لا يمكن لها الاستمرار وتحقيق النتائج الباهرة من وجودها، فإن الرجل مثلاً، وكذلك سائر ذكور الحيوانات تضع نطفها في أرحام الإناث. ثم إن النطف بالأرحام تتخلق، وتتكون بطريقة خارجة عن إرادتها وتدبيرها يقيناً، لأنها فاقدة للإرادة والتدبير، حتى يتم خلقها وتكوينها وخروجها من أرحام أمهاتها مخلوقات جديدة تبدأ بها دورة جديدة للحياة.
فهل يمكن لما يدعون من العقل أو النفس، أو هما معاً أن تؤدي دوراً كهذا؟ لا شك أن ذلك لا يمكن بداهة، لأن كليهما فاقد للقدرة، التي يمكن أن يتحقق بها شيء من ذلك، فهما أمران معنويان.
ولا شك أن وراء ذلك خالق عظيم، ومدبر عليم حكيم، له كل صفات الكمال والجلال، ولا بد أن يعزى إليه القدرة التامة على إيجاد كل موجود وتدبيره، وتنظيم شؤون خلقه، وأن له القدرة المطلقة على إيجاد الأشياء من العدم المحض وتدبيرها والتصرف فيها، ليتكون منها هذه النتائج الباهرة في هذا الكون.
إن كل من نظر إلى جهاز الحاسب الآلي، وأجال النظر فيه تيقن ببساطة من أن له صانعاً ذا قدرات متعددة، وإمكانات عقلية وعلمية، حتى تمكن من إيجاد آلة لها قدرة على القيام بأعمال حسابية وعلمية متعددة، وإن كل إنسان يزعم أن ذلك لا صانع له فهو إنسان مجنون لا عقل له، وكذلك كل من يزعم أن صانع الحاسب الآلي هو ذلك الجدار أو الجبل، أو ذلك الحيوان البهيم، فحكمه حكم من زعم أنه وجد من غير صانع.
فإذا كان هذا الحكم في جهاز بسيط من مصنوعات بني آدم، فلا شك أن أمر الكون أعظم وأعظم، وأن دلالته على خالق عظيم خلقه بمشيئته وإرادته في الوقت الذي يشاء على الكيفية التي يشاء ألزم وأوجب.