تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فأيهما أولى بالحق والقبول قول من تناقض في قوله مع العقل والشرع أم قول من قال بالحق واتفق قوله مع العقل والشرع.

وفي ختام هذا نقول: إن كلام الفلاسفة، - سواء منهم: الوثنيون، أو المنتسبون للإسلام - عن الله تبارك وتعالى متناقض في حقيقته مع الضرورات العقلية والبدهيات، فبالتالي يمكن أن يعزى في أصله إلى واحد من أمرين:

إما وساوس من الشيطان قلبت في رؤوسهم الموازين، فقالوا بالمتناقض الفاسد.

وإما مبادئ فاسدة وعقائد وثنية في رؤوسهم بنوا قولهم عليها، ولم يتبينوا فساد تلك المقالات لأن قلوبهم وعقولهم قد أشربت الضلالة فصارت منتكسة لا تستبين الصراط والنور والحق، والأخير في رأيي هو السبب المباشر لضلالهم وانحرافهم، ومن رأى ضلال البشر أدرك ذلك، فإنك ترى الرجل العاقل ذا النظر الثاقب والمعرفة الجيدة بأمور الدنيا، وقد يكون ذا رئاسة وزعامة لم يصل إليها إلا بحسن تدبيره وعلمه وعقله، ومع ذلك فتراه في آخر النهار يسجد لصنم أو يذهب إلى السوق ويشتري صنما ينظفه ويطيبه وينير الشموع له في البيت ثم يقدم له صنوف الخضوع والذلة والتعظيم والإجلال، وما ذلك لنقص في فهم، وإنما لما تشرب عقله ووجدانه وقلبه من عقيدة متعلقة بهذا الصنم، وقد يقبل في مقابل ذلك من الهذيان والقصص ما لا يروج على الأطفال لاستعداده لذلك، وهذا ما حدث لأولئك الفلاسفة الذين استخدموا عقولهم في أمور الدنيا، فلما ارتفعوا بنظرهم إلى الخالق لم يندرج معهم تحت مجال النظر والبحث والملاحظة ولا تحت القياس الشمولي، فرجعوا إلى عقائدهم يستلهمون منها المعاني التي يمكن أن توضح لهم المقالة في الله تبارك وتعالى إلا أن عقائدهم كانت وثنية، فأعطتهم مما فيها فخرجوا بهذه المقالات الساقطة والتخيلات الفاسدة - تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً.

ثم إن الفلاسفة لم يتمكنوا من الانتباه إلى عور تلك المقولات وفسادها بسبب ما درجوا عليه مما هو أفسد منها من العقائد، فلهذا قالوا بها وأخذها عنهم أمثالهم الذين هم مثلهم في المرض فلم يدركوا عورها وفسادها، أو وجدوها أفضل ما يمكن أن يتوصلوا إليه أو أفضل مما هم عليه من الإلحاد فالتزموها، ثم عملت الشهرة وباقي مقولات الفلاسفة في الأمور الدنيوية في إضفاء الهالة على كلامهم حتى صاروا يقاسون لدى أتباعهم بالأنبياء أو يوصفون بأنهم عظماء البشرية وهداتها.

فهذا كله يبين أن مقولة الفلاسفة في الله تبارك وتعالى مبنية على عقائد وثنية، فكيف يليق بمن يدعي الإسلام أن يأخذ بتلك المقالات وهي متناقضة وعورها وفسادها بين لكل ذي عينين.

المطلب الثاني: قولهم في إيجاد الكون.

الفلاسفة والباطنيون لم يخرجوا عن قول الوثنيين في دعوى إيجاد الكون، وإنما أخذوا مقالة أشياخهم.

أولاً: أهل الفلسفة المحضة.

قول الكندي

يرى الكندي: أن الفلك أو الجرم الأقصى مخلوق من العدم وهو جسم حي فاعل يسمع ويبصر وهو الذي يهب الحياة في الكائنات اضطراراً (1) .

فقول الكندي هذا متفق فيه مع ما قال به أرسطو وأفلاطون من أن للكواكب حياة وتصرفاً وأنها التي تهب للكائنات الحياة، إلا أن الكندي هنا لم يفصل لنا ترتب إيجاد الكائنات، وهذا فيما يذكر "عبد الرحمن بدوي" يعود إلى فقد الجزء الثاني من كتابه ((الفلسفة الأولى)) ،وهو الذي يحوي قوله في هذه المسألة كما أنه خالف الفلاسفة الأوائل في قوله بأن الفلك الأقصى مخلوق من العدم (2) .

قول الفارابي:

الفارابي كما سبق عنه يرى أن الله -تعالى عن قولهم-:عقل وعاقل ومعقول، وهو عنده واحد من كل وجه، والواحد لا يصدر عنه إلا واحد (3) .فبناءً على هذا فعنده أن الأول، وهو الله تعالى صدر عنه وفاض عنه العقل الثاني، أو المسمى الموجود الثاني.

وبسبب أن العقل الثاني يعقل الأول، ويعقل ذاته، أو بمعنى آخر فكر في الأول وهو الله تعالى وفكر في نفسه صدر عنه بسبب ذلك شيئان، أحدهما: العقل الثالث، وثانيهما: الفلك الأقصى بمبادته وصورته ونفسه، ثم العقل الثالث بسبب عقله للأول صدر عنه عقل رابع، وبسبب عقله لذاته صدر عنه الكواكب الثابتة بمادتها وصورتها ونفسها. وهذا الرابع صدر عنه بسبب عقله للأول، صدر عنه عقل خامس، وبسبب عقله لذاته صدر عنه زحل. وهكذا تصدر العقول والكواكب إلى آخرها العقل الحادي عشر، ويسمى العقل الفعال، وآخر الكواكب والأجرام السماوية القمر، ثم عنده تتكون الموجودات الأخرى من مواد مشتركة للأجرام السماوية، وبسبب دورانها واختلاطها تكونت العناصر الأربعة، وهي: الماء والهواء والتراب والنار، ثم من العناصر الأربعة تكون سائر الموجودات من حيوان ونبات ومعدن وغير ذلك. وعنده أن العقل الفعال، وهو آخر العقول هو الذي يتولى تدبر الأمور المتعلقة بتكون المخلوقات التي تحت فلك القمر (1) .

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ١٥٦١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ١٥٦١