4 أن الحركة الناتجة من دعوى التحرك على طريقة تحريك المعشوق لعاشقه حركة في غاية الضعف لا تعدو أن تكون حركة قلبية أو نحوها، فكيف يمكن لحركة بهذا الضعف أن ينتج عنها هذا الوجود الباهروالصنع المتقن للكون.
سادساً: إن زعم الإسماعيلية الباطنية أن الله تبارك وتعالى غير موجود هو تصريح منهم بالإلحاد والدهرية، فهم بذلك اشد كفراً من الفلاسفة المؤلهة.
سابعاً: إن تصريح الداعي الكرماني بأن الله لا موصوف ولا هو لا موصوف (1) ، وقول الآخر " الرفنة " لم يزل في القدم موجوداً، ليس هو موجود فيوصف (2) إنما هو قول بالنقيضين، وهو قول متناقض شرعاً وعقلاً، لأن النقيضين لا يرتفعان ولا يجتمعان. (3)
أما شرعاً فنقول:
1 إن قول هؤلاء الفلاسفة المبني على قول فلاسفة اليونان السابقين مخالف لأصل الإسلام ودين الله تعالى، ولا يمت إليه بأية صلة كما لا يمت إلى أية تعاليم من تعاليم الأنبياء السابقين عليهم السلام، وليس لهم عليه أي شبهة شرعية في ذلك.
2 إن الله تبارك وتعالى قد أفادنا في القرآن الكريم بأن له الصفات العلى مثل: السمع، والبصر، والكلام، والحياة، والقدرة، والإرادة، والعلم، والغضب، والرضى، والاستواء، والعلو، والإتيان، والمجيء، كما أفادنا بالتصرف والتدبير لشؤون خلقه إلى غير ذلك من صفات الكمال والجمال وقد ورد هذا في القرآن بحال يعتبر أعظم الموضوعات وأكثرها تأكيداً وذكراً، وهذا البيان من الله (إما أن يؤمن به هؤلاء الفلاسفة، فعندها يلزمهم أن يقروا به وينبذوا قول الفلاسفة الوثنيين لأنه على نقيضه، أو يزعموا أنهم غير مؤمنين به فيكون حكمهم الظاهر الكفر والزندقة.
أما أن يزعموا أنهم مؤمنون مع بقائهم على هذه المقالة ثم يحاولوا أن يجدوا مخارج لما ادعوا بالتلفيق بين الشرع والفلسفة بدعوى التأويل، فهذا باطل لأن صراحة دلالة القرآن على إثبات الصفات ووضوحها يمنع كل تأويل ويبطله.
3 إن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قد أخبروا بواسطة الوحي عن الله (فهم مبلغون عمن يخبر عن نفسه بما أخبر وعلَّم من صفاته وأفعاله مع كمال صدق الأنبياء عليهم السلام ونصحهم وعصمتهم من الخطأ في التبليغ.
أما الفلاسفة فقد أخبروا عن الله (بعقولهم ونظرهم فيما لم يروه ولم يرو شبيهاً له، وأخبروا بمقولات ناقصة ومتناقضة، وهم في الأصل يعتريهم ما يعتري البشر من النقص في العلم والخطأ والسهو وما إلى ذلك، وقد ثبت خطؤهم في الأمور الدنيوية حتى أنه ما يكاد يأتي تلميذ إلا وينقض كلام شيخه أو يزيد عليه أو ينقص، فخطؤهم فيما لم يشاهدوه أكبر وأعظم، فمن هنا من قدم قول الفلاسفة على قول الأنبياء عليهم السلام في الله (فقد ترك الصدق وأخذ بالكذب وترك اليقين وأخذ بالخرص والظن والتخمين.
4 إن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قد وصفوا الله (بكل صفات الكمال والجمال والجلال فهم يصرحون بوضوح بأن الله تبارك وتعالى واحد أحد فرد صمد لم يلد ولم يولد وأنه لا شريك له في ربوبيته ولا في ألوهيته ولا مثيل له في أسمائه وصفاته، وأن صفاته لعظمتها وجلالها لا يمكن لبشر أن يحيط بها علماً أو يقدرها بقدر فالله أكبر من كل شيء وأعظم من كل شيء.
والفلاسفة يصرحون بوضوح أن الله لا ذات له ولا صفات ولا فعل ولا خلق ولا حق، فهو عديم الذات عديم الفعل، فقير لا حول له ولا طول، ولا تدبير ولا تصرف، تعالى الله عن قولهم.
ولا شك أن العقل والنفس إنما يرتاح لقول الأنبياء المتضمن تعظيم الله وإجلاله.
أما القول الثاني فهو مرفوض عقلاً لما فيه من تنقص الله (ونفي وجوده حقيقة كما يتضمن نفي فعله وحقه جل وعلا.
5 إن مقالة الأنبياء في الله (متسقة متوافقة فهم لم يختلفوا فيما بينهم في وصف الله تبارك وتعالى بصفات الكمال والجلال، أما الفلاسفة فمقالتهم متناقضة، وهم على ثلاث مقالات في الله تبارك وتعالى، فمنهم من أنكر وجود الله تعالى بالكلية، ومنهم من زعم أن هذا الوجود هو الله جل وعلا، وهم أصحاب وحدة الوجود، ومنهم من زعم وجود موجود أعلى هو علة وجود هذا العالم، يشيرون بذلك إلى الله تعالى. (1) وتلك المقالات يختلف أصحاب كل مقالة فيما بينهم فيها، مع أنها قائمة على أصل واحد عندهم وهو العقل.