قول ابن سينا:
قال ابن سينا بما قال به الفارابي على تفاوت في التعبير والترتيب حيث يقول: إن الواحد الأول: وهو عنده الله تبارك وتعالى لم يصدر عنه إلا واحد فاض عنه فيضاً مبايناً لذاته وهو: العقل الأول، والعقل الأول: ليس مادة ولا صورة بل هو عقل محض، فهو يعقل الأول، ويعقل ذاته، ويعقل إمكان وجوده المندرج تحت تعقله لذاته، ويصدر عنه بسبب هذه التعقلات الثلاث ثلاثة أشياء: فعقله الأول يصدر عنه عقل تحته، وعقله لذاته: يصدر عنه صورة الفلك وهي النفس، وعقله لإمكان وجوده المندرج تحت تعقله لذاته: يصدر عنه جرم الفلك الأقصى، ثم يصدر عن كل واحدة من هذه: عقل ونفس وفلك بجرمه وصورته (2) إلى تمام العشرة عقول وأنفس وأفلاك يصدر كل واحد منها عمن قبله، فالعقل الثاني ومعه الفلك الأقصى ونفسه، ثم يصدر عنه العقل الثالث ومعه فلك الكواكب الثوابت ونفسها.
ثم العقل الرابع ومعه فلك زحل ونفسه.
ثم العقل الخامس ومعه فلك المشتري ونفسه.
ثم العقل السادس ومعه فلك المريخ ونفسه.
ثم العقل السابع ومعه فلك الشمس ونفسها.
ثم العقل الثامن ومعه فلك الزهرة ونفسها.
ثم العقل التاسع ومعه فلك عطارد ونفسه.
ثم العاشر وهو العقل الفعَّال ومعه فلك القمر ونفسه (1) وهو آخر الفيوض عنده وهو الذي يدبر أنفسنا (2) .
ومن العقل الفعَّال: تفيض العناصر الأربعة، ومنها تتكون الأجسام وتتطور تلك الأجسام صعوداً من الجماد إلى النبات فالحيوان البهيم، فالإنسان (3) .
وعنده أن علم الله بخلقه هو علمه بما صدر عنه وما عليه الوجود، وعنايته بالخلق هي ما جعل فيه من نظام الخير على الوجه الأبلغ (4) وليس معنى العناية عنده إكرام شخص دون شخص ولا تبديل في القوانين الطبيعية حباً بالبعض أو نصرة لبعض على بعض (5) .
ثانياً: الباطنيون.
قول الإسماعيلية في إيجاد الكون.
الإسماعيلية الباطنية لما لم يثبتوا صفة ولا فعلاً بل ولا ذاتاً لله (كما فعل أشياخهم الفلاسفة، راحوا يخترعون الوسائط بين من يسمونه الموجود الأول ومُبْدَعِه، وهي أقوال مقتبسة من الفلاسفة الوثنيين مع تفاوت بينهم في تلك الأسماء المفتراة.
فهذا الكرماني: يزعم أنه صدر عن المتعال بنفسه المُبْدَع الأول وهو: العقل الأول، وهو عين الإبداع وعين المبدع عين الوحدة وعين الواحد، وأن العقل الأول هو: الموجود الأول الذي لا يتقدمه شيء ولا يسبقه في الوجود سواه (6) ، وأنه واحد لا مثيل له، وأنه لا يعقل إلا ذاته (7) وأنه علة الموجودات كلها وهو المحرك الأول لجميع المتحركات (8) .
وقد انبعث عن العقل الأول اثنان:
أحدهما: العقل الثاني وعنه صدرت الملائكة والأرواح.
ثانيهما: الهيولى والصورة أو ما يسمونه اللوح وعنه صدرت العناصر الأربعة والأجسام، ومن مجموع العقل الثاني والجواهر صدرت سائر الكواكب والإنسان وسائر المخلوقات الأخرى (9) .
كما ورد في إحدى رسائل الإسماعيلية:
أن أول ما أوجد المبدِع من أمره العقل، فحصر في جوهره صور المبدَعات كلها كي لا يذهب منها شيء، وزعموا أن العقل يسمى القلم والعرش والأول والسابق والهيولى والشمس، ثم بعده النفس وهي صادرة عن الأول وتسمى اللوح والملك والتالي والقدر والصورة والقمر.
ويقال لهما معاً الأصلان وذلك أن العقل والنفس مرجع الأشياء سواء أكان روحانياً أو جسمانياً (1) .
وقال " الرفنة" في الكافية عن الإنسان: ((هو المولود المنتقى الروحاني الممكن الوجود عن الحدين العلويين اللذين هما والداه وهما: الإبداع الأول: العقل، والإبداع الثاني: النفس التي فاضت عنها الحدود الروحانية وقامت منها السموات والأرض وما فيهن على أحسن حال قال: ﴿حملته كرهاً﴾ الأحقاف (15) والحمل على الابتداء، لأنه في البداية كان صفراً من الإشراق، والأنوار العلوية ﴿ووضعته كرهاً﴾ الأحقاف (15) ، أي أظهرته إلى الوجود قبل أن تتصل به لمعات التأييد الخفية، وعلى وجه ثان ... لما تكاملت صورته الروحانية، أظهرته النفس بالقوة الإلهية)) (2) .