ويمكننا تقسيمهم باعتبار انتماءاتهم المذهبية إلى ثلاثة أقسام:
1 - أهل الفلسفة المحضة: وقولهم هو المذكور سابقاً ما عدا الكندي الذي قال إن الله خلق العالم من العدم.
2 - الباطنيون: الذين زادوا على القول السابق نفي النقيضين لا موجود ولا لا موجود ولا موصوف ولا لا موصوف.
3 - فلاسفة الصوفية: الذين قالوا بقول الفلاسفة وزادوا دعوى وحدة الوجود التي هي من ضمن دعاوى بعض فلاسفة الوجود.
وقد بينت تلك المقالات من ناحيتين:
من الناحية العقلية: لإثبات أنهم من أضل الناس في العقل الذي هو مصدرهم ولا يقيمون لغيره وزناً.
ومن الناحية الشرعية: لإثبات أن دعواهم تناقض مع الشرع تماماً فقولهم لا عقل ولا شرع.
المقدمة:
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله لا شريك له وأشهد أن نبينا محمد عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد:
فإن الله تعالى أرسل رسله ليخرجوا الناس من الظلمات إلى النور، ويهدوهم إلى صراطه المستقيم، ويقيموهم على الملة القويمة، ويعلموهم العلم الصحيح النافع لهم في دينهم ودنياهم.
وكان مما أنزل الله على أنبيائه ورسله الهدى والبينات التي تعرف الخلق بربهم، وتنير قلوبهم بمعرفته المعرفة الصحيحة، التي تثمر تعظيمه وإجلاله ومحبته وخشيته ورجاءه والتعلق به، وتبعثهم على العمل الصالح والعلم النافع، مع التزكية والطهارة، ولزوم الأخلاق الحميدة والخصال الكريمة.
وفازت هذه الأمة من تلك التعاليم والنور والهدى بالحظ الأوفى والنصيب الأعلى بواسطة نبيها الكريم محمد عليه أفضل الصلاة والسلام.
إلا أن طائفة من الأمة تنكبت الصراط، وزاغت عن المنهاج، وأخذت تبحث عن الطريق إلى معرفة الله تعالى من غير طريق الأنبياء ومسلك الأتقياء، ووقع اختيارها لسوء طالعها وشؤم نظرها وفساد فكرها على أفسد المسالك، وأعقد الطرائق، وابعدها عن الهدى، وأقربها وألصقها بمسلك إبليس عدو الله وعدوها، ألا وهو منهج الفلاسفة الوثنيين المتقدمين من اليونان ومقالتهم. فأحلوها بعجرها وبجرها محل وحي الله ورحمته وتعليمه وهدايته، فاستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير، واشتروا الضلالة بالهدى، والغواية بالرشاد. فأعقبهم ذلك نفاقاً في قلوبهم وحيرة في نفوسهم مع ريب وشك، بل طعن وتنقص لربهم، وإنكار وجحود لخالقهم، والمنعم عليهم ربهم، رب العالمين سبحانه عما يصفون، وتعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً.
وهذه الطائفة ممن تنتسب إلى الإسلام زوراً وبهتاناً، وهم من يسمون " فلاسفة المسلمين "، الذين لايثبتون لله تعالى وجوداً ولاصفة، ولافعلاً ولاربوبية ولا ألوهية، وإنما حقيقة قولهم الإلحاد والكفر.
وكان سبق لي أن كتبت دراسة مختصرة في قول الفلاسفة الوثنيين اليونان في التوحيد، وبينت من خلال النقول عنهم أنهم لا يقرون لله تعالى بوجود حقيقي ولاربوبية ولاألوهية، سواء منهم من صرح بالإلحاد وإنكار وجود الخالق، وأن العالم خلق من غير شيء، ومن زعم أنه يثبت موجوداً أعلى هو العلة لوجود العالم، لكنها علة ضعيفة هزيلة، تعالى الله عن قولهم جميعاً علواً كبيراً.
وكانت تلك الدراسة الأولى ضمن سلسلة في ذكر قول الفلاسفة في الله تعالى، وأثر قولهم.
وهذه دراسة ثانية أشير بها إشارات مختصرة إلى مقالة تلاميذ أولئك من المنتسبين للإسلام، وأبين فيها قولهم ثم أبين بطلانه، وأنه قول لايقوم على شرع صحيح، ولا عقل صريح، بل هو لاعقل ولاشرع، وإنما هو ترديد لكلام السابقين من الوثنيين، وقد يضيفون عليه شيئاً من المسميات الإسلامية ذراً منهم للرماد في العيون، ورغبة في أن تروج تلك البضاعة الفاسدة على المسلمين.