ولكنني عن علم ما في غد عمي
أما أدلة غيبية حوادث المستقبل في عالم الشهادة فكثيرة في كتاب الله تعالى وسنة نبيه فمن ذلك:
1- قوله تعالى حكاية عما قاله العاص بن وائل لخباب (أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولداً (أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا (، لقد زعم أنه سيكون له مال وولد إذا بعث، وأنه سيوفي خباباً حقه هناك، قال ذلك على سبيل السخرية والاستهزاء من البعث بعد الموت. بيان سبب ذلك أن خباباً قال: "جئت العاصي بن وائل السهمي أتقاضاه حقاً لي عنده، فقال: لا أعطيك حتى تكفر بمحمد، فقلت: لا حتى تموت ثم تبعث، قال: وإني لميت ثم مبعوث؟ قلت: نعم، قال: إن لي هناك مالا وولدا فأقضيكه. فنزلت هذه الآيات.
وقد سمى الله تعالى هذا غيبا، وأنكر على من زعم أن له مالا وولدا في الآخرة، بأن قال: (أطلع الغيب (أظهر على ما في الغيب وعلم أن له مالا وولدا.
2- كذلك سمى الله تعالى المستقبل غيبا لا يعلمه سواه، فقال لملائكته (إني أعلم ما لا تعلمون (، وذلك أنهم لما أخبرهم الله تعالى بأنه (جاعل في الأرض خليفة (قالوا: (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك (، فأخبرهم الله تعالى بأنه هو وحده يعلم ما سيكون وهم لا يعلمون من ذلك شيئاً، ثم إنه تعالى لما خلق آدم علمه الأسماء كلها، ثم عرض على الملائكة تلك المسميات، فسألهم عن أسمائها فلم يعلموا هنالك أمر الله آدم أن يعلمهم ما لم يعلموا. حيث قال تعالى في ذلك كلها (وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين (قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم (قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون ((1) .
وهذا دليل آخر على أن ما سيقع في المستقبل من الأحداث في عالم الشهادة غيب انفرد الله بعلمه سبحانه وتعالى.
3- وكذلك دل على غيبية حوادث المستقبل قول الله تعالى: (إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غداً وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير (، أي إن هذه الأمور المذكورة في الآية من حوادث المستقبل علمها عند الله تعالى وحده ليس لأحد من خلقه علم بها.
وأما السنة النبوية فقد امتلأت كتبها بأحاديث الفتن، وما سيحدثه الله في المستقبل من الحوادث التي يكون حدوثها من علامات الساعة، مما أعلم الله نبيه عن طريق الوحي فمن أراد الوقوف عليها فليرجع إليها.
4- ولقد دلت آية من كتاب الله تعالى على حدثين أحدهما من غيب الزمن الحاضر والآخر من غيب الزمن المستقبل عند نزول الآية فتحقق ذلك في زمن يسير، ذلك هو قول الله عز وجل: (آلم (غلبت الروم (في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون (في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون (بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم ((1) .
وقوله: (غلبت الروم (: إخبار بغيب الزمن الحاضر حيث إن غلبة فارس للروم وقعت في ذلك الزمن، والناس لم يقفوا بعد على ذلك، فكان الوحي في ذلك الزمن هو الوسيلة والمصدر الوحيد للوقوف على هذا القسم من الغيب ونقله إلى من غاب عنه، وقوله: (وهم من بعد غلبهم سيغلبون (في بضع سنين (، إخبار بغيب الزمن المستقبل الذي سيقع في زمن لا يزيد عن عشر سنين، وهو انتصار الروم على الفرس، وأن ذلك اليوم يوم فرح للمؤمنين لانتصار أهل الكتاب على أهل الشرك، أو المراد بيوم الفرح هو يوم بدر الذي يوافق يوم انتصار الروم على الفرس كما قال بذلك بعض العلماء، وهذا أبلغ في الفرح وأليق، وهو يعتبر أيضاَ إخباراً بغيب المستقبل، وهو انتصار أهل الحق على أهل الباطل يوم بدر.