وحديثُ أبي مَعْمَرٍ مختصرٌ: سُئِلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم وهو في الطوافِ: أَحَلاَلٌ هو أَمْ حَرَامٌ، قالَ: "حَلالٌ" يعني النبيذَ.
قالَ عليُّ بنُ عُمَرَ (هو الدارقطني) : هَذَا حديثٌ معروفٌ بيحيى بنِ يَمَانٍ، ويقالُ: إِنَّهُ انْقَلَبَ عليهِ الإسنادُ واخْتَلَطَ بحديثِ الكَلْبِيِّ عن أبي صالحٍ، والكَلْبِيُّ متروكٌ، وأبو صالحٍ ضعيفٌ. ثم قال: "أخبرنا أبو عبد الرحمن السُّلَمِيُّ أنبأ أبو الحسن المحموديُّ ثنا أبو عبد الله محمد بن علي الحافظ ثنا أبو موسى قالَ: ذَكَرْتُ لعبدِ الرحمنِ بنِ مَهْدِيَ حديثَ سفيانَ عن منصورٍ في النبيذِ قالَ: لا تُحَدِّثْ بِهَذَا.
قال الشيخ: وقد سَرَقَهُ عبدُ العزيزِ بنُ أَبَانَ فرواهُ عن سفيانَ، وسَرَقَهُ اليَسَعُ بنُ إسمعيلَ فرواهُ عن زيدِ بنِ الحُبَابِ عن سفيانَ، وعبدُ العزيزِ بنُ أَبَانَ متروكٌ، واليَسَعُ بنُ إسمعيلَ ضعيفُ الحديثِ"اهـ (1) .
وقال أيضاً: “سمعتُ أَبَا عبدِ الله الحافظَ يقولُ: سمعتُ أَبَا عبدِ الله محمدَ ابنَ يعقوبَ الحافظَ غيرَ مرةٍ يقولُ: كانَ أبو بكرٍ الجَارُودِيُّ إِذَا مَرَّ بقبرِ جَدِّهِ في مقبرةِ الحسينِ بنِ معاذٍ يقولُ: يا أَبةِ، لو لَمْ تُحَدِّثْ بِحَدِيثِ بَهْزِ بنِ حَكِيمٍ لَزُرْتُكَ.
قال الشيخ: وقد سَرَقَهُ عنهُ جماعةٌ من الضعفاءِ، فَرَوَوْهُ عن بَهْزِ بنِ حكيمٍ، ولم يَصِحَّ فيهِ شىءٌ"اهـ (1) .
34 أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي (ت463هـ) رحمه الله.
قال الخطيب البغدادي رحمه الله، في ترجمة سعيد بن داود الزنبري: "سكن بغداد وحدّث بها عن مالك، وفي أحاديثه نكرة، ويقال: قلبت عليه صحيفة ورقاء عن أبي الزناد فرواها عن مالك" (2) .
هذا ما تيسر لي الوقوف عليه من أسماء الأئمة الذين استعملوا في عبارات وألفاظ الجرح والتعديل اسم القلب أو السرقة، أو ما يدل عليهما، وبعد الخطيب يأتي الإمام الجامع لأطراف أنواع علوم الحديث أعني ابن الصلاح رحمه الله ثم الأئمة من بعده وقد أفردوا المقلوب في كتبهم بنوع خاص من أنواع علوم الحديث، وقد نقلت عباراتهم في التعريف بهذا النوع في المقصد الأول.
ولعل من أهم الملاحظات العامة التي أسجلها هنا الأمور التالية:
1 في جميع عبارات هؤلاء الأئمة الذين وقفت على كلامهم لم أجد بوضوح الإشارة إلى القلب في المتن، إلا ما رأيته في عبارة ابن خزيمة (ت311هـ) رحمه الله، والبيهقي (ت458هـ) رحمه الله!
نعم جاءت صورة القلب في المتن في عبارة الإمام الشافعي، لكن ليس فيها تصريح باسم القلب!
وهذا يبين لك سبباً من الأسباب التي دعت الحافظ ابن الصلاح أن يقتصر في تعريف المقلوب بالمثال على صورتين فقط وهما ما تكرر في عبارات هؤلاء الأئمة الأعلام!
2 تبين من خلال التسلسل التاريخي أن استعمال القلب للكشف عن حال الرواة جرى في القرن الثاني قبل المائتين، خلافاً لما ذكره الذهبي (ت748هـ) رحمه الله حيث قال: "لم يكن ظهر لهم قلب الأسانيد على الشيوخ، إنما فعل هذا بعد المئتين.."اهـ (1) ؛ فقد اثبت التتبع والتسلسل التاريخي أنهم استعملوه قبل المئتين كما تراه مع شعبة (ت160هـ) وحماد بن زيد (ت167هـ) رحمهما الله، ويؤكد هذا أن التلقين أمر معروف قديماً وصورته صورة القلب!
نعم إذا أراد الحافظ الذهبي أنه بعد المئتين اشتهر وتفشى فهذا هو الواقع، والله اعلم!
3 أن الإمام ابن حبان (ت354هـ) رحمه الله قد لهج في كتابه المجروحين باستعمال الوصف ب (القلب) ، كما لهج الإمام ابن عدي (ت365هـ) رحمه الله في كتابه في الضعفاء باستعمال الوصف ب (السرقة) !
4 للعلماء عبارات متنوعة عن القلب أشهرها (القلب) ، ثم (الإحالة) ، إدخال حديث في حديث، وأنهم يعبرون في بعض الرواة بحسب حالهم من الضبط ب (السرقة) ، أو (التدليس) .