تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أمَّا الثانية فهي مشتركة بين المؤمنين وغيرهم؛ لأنها الرضا بالقضاء، والرضا بالقضاء يصح من المؤمن وغيره؛ لأن غايته التسليم لقضاء الله وقدره، وقد يحصل من الكافر لا لله، ولكن مجرد رضى بالقضاء، وتسليماً بالقدر، ﴿فأين هذا من الرضى به رباً، وإلهاً، ومعبوداً؟﴾ (8) .

2 - الرضا بالله رباً فرض، بل من آكد الفروض بالاتفاق، فمن لم يرض بالله رباً، لم يحصل له إسلام، ولا عمل، ولا حال.

وأمَّا الرضا بقضائه (المصائب) فهو مستحب، كما سبق عند أكثر العلماء، فالفرق بين الدرجتين فرق ما بين الفرض والندب، فالفرض وهو الرضى بالله رباً ... فعله الأولى والآكد، ومقدم على فعل المستحب، وهو الرضا بالقضاء، كما في الحديث الإلهي السابق: ﴿يقول الله - عزّوجل -: ما تقرب إليَّ عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه﴾ .

3 - أن الرضا بالله رباً هو الإيمان بذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله - ربوبيته العامة والخاصة - وأنه الخالق المدبر، الآمر الناهي، الملك القدوس، المعطي المانع، الوكيل الولي، الحكم والحاكم، والناصر والمعين، والكافي، والحسيب والرقيب، والمبتلي والمعافي، والقابض والباسط، فهو المتصف بجميع صفات الربوبية.

أمَّا الرضا بالقضاء، أو الرضا عنه: فهو رضى العبد بفعل الله، وبما يعطيه عبده، ولهذا كان الترغيب فيه فيما يخص الثواب والجزاء، كما في قوله - تعالى -: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ، ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾ (1) ، فهي ترضى بما يحصل لها من كرامة وثواب عملها الصالح.

وكذلك قوله - سبحانه وتعالى -: ﴿خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَالِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ (2) .

4 - أن الرضا بالله رباً متضمن للرضا بالقضاء والقدر، ومستلزم له؛ لأنه إذا رضي بالله رباً: رضي بأمره ونهيه، ويستلزم ذلك أن يرضى بما يقسمه له ويقدره عليه، ويعطيه إياه، ويمنعه عنه، فمن لم يرض بذلك كله لم يرض بالله رباً من جميع الوجوه.

إذاً فالرضى بالله رباً يستلزم الرضا بالقضاء ويتضمنه بلا شك (3) .

5 - أن الرضا بالله رباً أصل، والرضا بالقضاء أو الرضا عنه كما يقولون فرع، أو ثمرة للرضا بالله رباً، ولعل مِمَّا يدل على هذا ما صح عن رسول الله - (- أنه قال: ﴿ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد - (- رسولاً﴾ ، فإنه علق ذوق طعم الإيمان بالرضا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد - (- رسولاً، التي هي أصول الإسلام التي لايقوم إلاَّ بها وعليها، ولم يعلق ذلك على الرضا بالقضاء أو ما يسمونه الرضى عنه.

فالرضا بالقضاء والقدر تابع لهذا الرضا، فمن رضي بالله رباً، رضيه الله له عبداً، ومن رضي بما أعطاه الله، أو منعه، وما أصابه من بلاء وعافية دون أن يرضى بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً، لم يحقق الإسلام والإيمان ولايحصل له رضى الله - سبحانه - يوم القيامة، كما يدل على ذلك قول النبي - (-: ﴿من قال كل يوم: رضيتُ بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً، إلاَّ كان حقاً على الله أن يرضيه يوم القيامة﴾ (1) .

6 - أن الرضا بالله رباً ... يتضمن أنواع التوحيد، ومن ذلك عبادته وحده والإنابة إليه، والتوكل عليه، وخوفه ورجاؤه ومحبته، والصبر على طاعته وعن معصيته، وعلى قضائه وقدره، والشكر على نعمه ظاهرة وباطنة، وهذه هي حقيقة شهادة ألا إله إلاَّ الله، وطاعة رسوله محمد - (- فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما عنه نهى وزجر، وألا يعبد الله إلاَّ بما شرع، وهذا هو حقيقة شهادة أن محمداً رسول الله، وهو الرضا بمحمد رسولاً، والتزام عبودية الله، وطاعته، وطاعة رسوله - (- هو الرضا بالإسلام ديناً، فهذا هو الدين كله، ومنه الرضا بالقضاء الذي يلزم كل مسلم، ويستحب منه، أو يجب عليه؛ كما سبق.

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ١٤٧١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ١٤٧١