تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فمن أراد بلوغ مقام الرضا فليحبس نفسه عن الجزع، والهلع، والتشكي، والتسخط باللسان عن الشكوى، وبالجوارح عما لاينبغي فعله، وهذا هو ثبات القلب على الأحكام القدرية والشرعية.

وليس هذا معناه أن يقسو قلبه ويمنعه من الانفعال والتأثر بالنوازل، فمن لم يتأثر بها لغلظة قلبه وقساوته لا لصبره واحتماله فليس من الراضين بالقضاء والقدر (7) .

مذهب الصوفية في الرضا بالقضاء

وممن ضل في هذا الباب أكثر أصحاب الطرق الصوفية، وكان سبب ضلالهم في الرضا بالقضاء أمور، أشهرها باختصار:

1 - أنهم رأوا أن الراضي بأمر لايطلب غيره، ثُمَّ إنهم رأوا أقصى المطالب وأعظمها الجَنَّة، وأدناها وأكرهها النَّار، فقالوا ينبغي ألا يطلب شيئاً غير ما هو فيه.

2 - أنهم ظنوا أن الرضا بكل قضاء يحبه الله ويرضاه، من خير أو شر، إيمان أو كفر، معصية أو طاعة، وهذا ضلال بُيِّنَ خطأه وخطره في هذا البحث بما يكفي إن شاء الله.

3 - أنهم لايفرقون بين الدعاء الذي أمروا به إيجاباً، أو استحباباً، وهو من أسباب الرضا بالله، وعن الله، والذي نهوا عنه، أو لم يؤمروا به، ولم ينهوا عنه؛ لأن الدعاء ثلاثة أنواع:

نوع مأمور به إيجاباً، أو استحباباً، كما في قوله - سبحانه -: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (1) .

ونوع منهي عنه، وهو الاعتداء في الدعاء، مثل أن يسأل العبد ما هو من خصائص الرب، أو الأنبياء، مثل أن يسأل الله أن يجعله بكل شيء عليماً، أو يرفع عنه كل حجاب حتى يطلع على الغيب ونحو ذلك.

ويتبعه دعاء ﴿اللهم اغفر لي إن شئت﴾ (2) ونحوه.

ونوع منه ما هو مباح، كطلب المباحات التي لا معصية فيها.

والرضا عند الصوفية ثلاث درجات:

الأولى: رضى العامة، وهو الرضا بالله رباً، وتسخط عبادة ما سواه.

قالوا: وهذا قطب رحى الإسلام، وهو يطهر من الشرك الأكبر (3) .

ومنه رضاهم - أي العوام - بما قسمه الله، وأعطاهم (4) .

الدرجة الثانية: الرضا عن الله، وهو الرضا عنه في كل ما قضى وقدر.

ويقولون: إن هذا من أوائل مسالك أهل الخصوص (5) .

وقد ظن بعضهم أن هذا من توابع المحبة لله (6) .

ويقولون: إن هذه الدرجة لاتصح إلاَّ بثلاثة شرائط:

1 - استواء الحالات عند العبد.

2 - وسقوط الخصومة مع الخلق.

3 - والخلاص من المسألة والإلحاح (7) .

ويدخل في ذلك الرضا بالمعاصي، والكفر، والفسوق (8) .

وهم بذلك لم يفرقوا بين القضاء الشرعي والكوني، ولا بين الإرادة والمحبة والرضا، ولا بين المأمور والمحظور، ولا بين أولياء الله وأعدائه.

ويسمون هذه الدرجة رضى الخواص (1) .

﴿الدرجة الثالثة: الرضا برضى الله، فلايرضى العبد لنفسه سخطاً، ولا رضى، فيبعثه على ترك التحكم، وحسم الاختيار، وإسقاط التمييز، ولو أدخل النَّار﴾ (2) .

وهذه الدرجة هي التي عبر عنها الداراني فيما روي عنه في تعريف الرضا ﴿الرضا أن لايسأل الله الجَنَّة ولايستعيذ به من النار﴾ (3) .

وقال بعضهم: ﴿لقد أوتيت من الرضا نصيباً لو ألقاني في النَّار لكنت بذلك راضياً﴾ (4) .

وقال الآخر:

وليس لي في سواك حظ ... ... فكيما شئت فاختبرني (5)

ويسمون هذه الدرجة: رضى خواص الخواص به بدلاً من كل ما سواه (6) .

وإليك بعض الردود عليهم باختصار:

1 - أن الدرجة الأولى أعلى شأناً وأرفع قدراً، فإنها مختصة بعباد الله الصالحين، الذين يرضون بربوبية الله، ولايعبدون إلاَّ إياه، ويرضون بذلك، وبأسمائه وصفاته وأفعاله، كما في الحديث: ﴿ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً﴾ .

ومن أقوال بعض الصوفية الحسنة في هذا: ﴿من أراد أن يبلغ محل الرضا فليلزم ما جعل الله رضاه فيه﴾ (7) ، فالتزام ما جعل الله رضاه فيه من امتثال أمره واجتناب نهيه - ويتناول المباح من غير تعد إلى المحظور - هذا هو الرضا بالله رباً، كما سبق، وهذه هي درجة الصديقين.

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ١٤٧٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ١٤٧٠