تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فكل هذا جائز، ليس فيه جزع أو اعتراض على المقدر، فلاينافي الرضا بالقضاء (5) .

7 - عدم الرضا بالمقسوم من الرزق:

ما قدره الله للعبد من الرزق سيصله؛ وإن كان لابد من الاكتساب، وفعل الأسباب.

ومن الكسب ما يكون واجباً، وهذا عند احتياج العبد إلى النفقة على نفسه، أو عياله، أو قضاء دينه، وهو قادر على الكسب، ولايشغله ذلك عن ما هو أفضل عند الله، وهذا من الرضا بالقضاء الشرعي، وهو واجب عند العلماء، وتركه فيه معصية لله - تعالى -.

ومنه ما هو مستحب، وهو ما اكتسبه العبد، لنفع نفسه، والإنفاق في وجوه الخير (6) ، كما في الحديث: ((على كل مسلم صدقة)) قالوا: فإن لم يجد؟ قال: ((فيعمل بيده فينفع نفسه، ويتصدق)) قالوا: فإن لم يستطع؟ أو لم يفعل؟ قال: ((فيعين ذا الحاجة الملهوف)) ، قالوا: فإن لم يفعل؟ قال: ((فليأمر بالخير)) أو قال: ((بالمعروف)) ، قالوا: فإن لم يفعل؟ قال: ((فليمسك عن الشر؛ فإنه له صدقة)) (7) .

ومنه ما هو مذموم، وهو ما اكتسب لغير الحاجة، أو الإنفاق في وجوه الخير، أو أشغل عن ذكر الله - تعالى - وعبادته.

يدل على ذلك مثل قول الله - تعالى -: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَآئِمًا قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ (1) ، وقول النبي - (-: ((تعس عبد الدينار، والدرهم، والقطيفة، والخميصة، إن أعطي رضي، وإن لم يعط لم يرض)) (2) وغيره (3) .

وقد تعوذ منه النبي - (- في قوله: ﴿ ... اللهم إني أعوذ بك من علم لاينفع، ومن قلب لايخشع، ومن نفس لاتشبع، ومن دعوة لايستجاب لها ... ﴾ (4) .

فالحرص والطمع والشرك وتعلق النفس بالآمال البعيدة (5) : ترك للرضا ينافي الرضا بالقضاء، ويورث صاحبه في الدنيا حسد الأغنياء، والطمع في أموالهم، والتذلل بما يدنس العرض، ويثلم الدين.

أمَّا ما اكتسب من طريق محرم؛ كالربا، وأكل أموال الناس بالباطل، وبغير حق، ونحو ذلك، فصاحبه لاتحمد عاقبته في الآخرة، فلصاحبه العذاب المهين يوم القيامة (6) .

8 - الجزع والهلع:

المصيبة تورث نوعاً من الجزع، يقتضي لوم من كان سببها، فإذا تبين العبد أن هذه المصيبة وسببها مقدوراً، مكتوباً، فعليه الصبر على قدر الله، ويسلم لأمر الله؛ فإن هذا من جملة ما أمره الله به؛ كما في قوله تعالى: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ (7) .

قال ابن مسعود: ﴿هو الرجل تصيبه المصيبة، فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم﴾ (1) ، والجزع ضعف النفس، وخوف القلب، يمده شدة الطمع والحرص، ويتولد من ضعف الإيمان بالقدر، وصاحبه معاقب به، فيحرمه الراحة التي يرتاحها العابدون الراضون، ويخرب القلب، ويحرم رضوان الله في الآخرة، ﴿وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ (2) والهلع أفحش الجزع (3) ، وفي الحديث: ﴿شر ما في المرء شح هالع وجبن خالع﴾ (4) .

فالهلع له معان منها: الحرص، والشح، والضجر، والبخل، والشره، والإمساك، والذي لايشبع، وضيق القلب، والعجلة، وهذه المعاني كلها تنافي الرضا بالقضاء.

والجزع ضد الصبر الآيل إلى الرضا، فلا خير في العجز ولا في الجزع، كما نجده في حال كثير من الناس، حتى بعض المتدينين إذا ظلموا أو رأوا منكراً فلاينتصرون ولايصبرون بل يعجزون ويجزعون.

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي - (- أنه قال: ﴿المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير: احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولاتعجز، وإن غلبك أمر فلاتقل لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا، ولكن قل قدر الله وماشاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان﴾ (5) .

﴿فلايعجز المؤمن عن مأمور، ويجزع من قضاء مقدور﴾ (6) .

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ١٤٦٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ١٤٦٩