تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويجاب عن هذه الأدلة بما يلي:

1 - أن الرضا بكل ما يخلقه الله ويقضيه ليس عليه دليل من كتاب الله ولا من سنة رسوله - (- ولا قال به أحد من السلف، أمَّا الرضا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً، فهو واجب، دل على وجوبه الكتاب والسنة (6) .

2 - أن الرضا يشرع بما يرضى الله به، والله قد أخبر أنه ﴿لاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ (7) و ﴿وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ (8) ، وقال - تعالى -: ﴿إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ (9) .

وهذا أمر موجود من أقوال العباد، وقد أخبر الله أنه لايرضاه، فإذا لم يرضه كيف يأمر العبد بأن يرضاه، بل الواجب أن العبد يسخط ما يسخطه الله، ويبغض ما يبغضه، ويرضى بما يرضاه الله.

قال الله - تعالى -: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَآ أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ (10) ، فذم من اتبع مساخطه وكره مراضيه، ولم يذم من كره مساخطه.

3 - أمَّا قوله: ﴿إنه لايتخلص من السخط على ربه إلاَّ بالرضى عنه، إذ لا واسطة بين الرضا والسخط﴾ .

فكلام مدخول؛ لأن السخط بالمقضي لايستلزم السخط على من قضاه، كما أن كراهة المقضي وبغضه، والنفرة عنه، لاتستلزم تعلق ذلك بالذي قضاه وقدره، فالمقضي قد يسخطه وهو راض عمن قضاه وقدره، بل قد يجتمع تسخطه والرضا بنفس القضاء (1) ، فالسخط شيء، والشكاية شيء آخر.

4 - قولهم: ﴿إنه يستلزم سوء ظن العبد بربه، ومنازعته له في اختياره﴾ .

فليس كذلك، بل هو حسن الظن بربه في الحالتين، فإنه إنَّما يسخط المقدور وينازعه بمقدور آخر، كما ينازع القدر الذي يكرهه ربه بالقدر الذي يحبه ويرضاه، فينازع قدر الله بقدر الله بالله لله، كما يستعيذ برضاه من سخطه، وبمعافاته من عقوبته، ويستعيذ به منه.

فأمَّا ﴿كونه يختار لنفسه خلاف ما يختاره الرب﴾ فهذا موضع تفصيل لايسحب عليه ذيل النفي والإثبات، فاختيار الرب - تعالى - لعبده نوعان:

أحدهما: اختيار ديني شرعي، فالواجب على العبد أن لايختار في هذا النوع غير ما اختاره له سيده، قال - تعالى -: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (2) ، فاختيار العبد خلاف ذلك مناف لإيمانه وتسليمه، ورضاه بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً.

النوع الثاني: اختيار كوني قدري، لايسخطه الرب، كالمصائب التي يبتلي الله بها عبده، فهذه لايضره فراره منها إلى القدر الذي يرفعها عنه، ويرفعها ويكشفها، وليس في ذلك منازعة للربوبية، وإن كان فيه منازعة للقدر بالقدر، وكما تقدم عن عمر وأبي عبيدة - رضي الله عنهما -.

فهذا يكون تارة واجباً، وتارة يكون مستحباً، وتارة يكون مباحاً مستوي الطرفين، وتارة يكون مكروهاً، وتارة يكون حراماً.

وأمَّا القدر الذي لايحبه ولايرضاه - مثل قدر المعائب والذنوب - فالعبد مأمور بسخطها، ومنهي عن الرضا بها، وهذا هو التفصيل الواجب في الرضا بالقضاء (1) .

5 - أن الأثر المستدل به من الآثار الإسرائيلية، فلاتقوم الحجة به؛ لأنه لايعرف ثبوته عن الله، وليس يصح عن النبي - ((2) -.

القول بالاستحباب: قال أصحابه: الرضا بالمصائب مستحب، وليس بواجب، وهذا قول أكثر العلماء (3) ، وهو قول في مذهب الإمام أحمد (4) .

أدلة أصحاب هذا القول:

1 - قالوا: الإيجاب يستلزم دليلاً شرعياً على الوجوب ولا دليل على ذلك (5) .

2 - أن الرضا من القرب التي يتقرب بها، وليس من الفرائض، أو الواجبات، كما قال الخليفة عمر بن عبد العزيز - رحمه الله -: ﴿الرضا عزيز، ولكن الصبر معول المؤمن﴾ (6) .

3 - قالوا: لم يجئ الأمر بالرضا في القرآن الكريم، ولا في السنة المطهرة، مثل الصبر، فالصبر أمر الله به في مواضع كثيرة من كتابه - سبحانه -، وأمَّا الرضا فلم يأمر به في آية واحدة (7) .

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ١٤٦١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ١٤٦١