تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهذا ما أشار إليه حديث عبادة - رضي الله عنه - السابق: ﴿واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك﴾ الحديث.

فهذا لاتنفع فيه المنازعة، ولا المدافعة، فهذا يقابل بالرضا، والاستسلام، وترك المخاصمة والسخط، والعلم والإيمان بأن الأمر والحكم والقضاء لله من قبل ومن بعد، وأنه - سبحانه - له حكمة في ذلك هو يعلمها - سبحانه -، وهو عدل في قضائه، والقدر المقضي ينزل مواقعه، ويحل محله لا راد له، وذلك أوجب للرب - سبحانه - عدله، وحكمته، وعزته، وملكه، وموجب أسمائه وصفاته، فله عليه أكمل الحمد، وأتمه، والرضا، والتسليم (2) .

وهذا ما دل عليه قوله - تعالى -: ﴿أَوَلَمَّآ أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (3) أي: يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، لا معقب لحكمه (4) .

وقال - سبحانه -: ﴿مَآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ﴾ (5) .

وقوله - تعالى -: ﴿وَمَآ أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾ (6) .

وقوله - عزّوجل -: ﴿وَإِنَّآ إِذَآ أَذَقْنَا الإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةُ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الإِنسَانَ كَفُورٌ﴾ (1) .

قال ابن القيم - رحمه الله - بعد ذكر هذه الآيات في هذا المقام: ﴿فمن نزل هذه الآيات على هذا الحكم علماً، ومعرفة، وقام بموجبها إرادة، وعزماً، وتوبة، واستغفاراً، فقد أدى عبودية الله في هذا الحكم، وهذا قدر زائد على مجرد التسليم والمسالمة ... ﴾ (2) .

حكم الرضا بالمصائب

تنازع العلماء، والمشائخ من أصحاب الإمام أحمد، وغيرهم في الرضا بالقضاء في المصائب، هل هو واجب، أم مستحب، على قولين:

القول الأول: أنه واجب، وعلى هذا فهو من أعمال المقتصدين، ومعنى ذلك أنه فرض وعبادة كالصبر وغيره.

القول الثاني: أنه مستحب، وعلى هذا فهو من أعمال المقربين، أي أن الرضا به قربة لله - تعالى - يتقربها العبد لربه (3) .

وهذا بيان أدلة كل قول ومناقشتها وبيان القول الراجح:

القول بالوجوب: هو قول في مذهب الإمام أحمد (4) - رحمه الله - وممن ذهب إلى ذلك الإمام القرطبي المفسر - رحمه الله - قال: ﴿فالواجب على كل امرئ الرضا بقضاء الله، فإن قضاء الله للمؤمن فيما يكره خير له من قضائه له فيما يحب﴾ (5) .

وقال ابن حجر - رحمه الله -: ﴿في قصة موسى والخضر من الفوائد: أن الله يفعل في ملكه ما يريد، ويحكم في خلقه بما يشاء، مِمَّا ينفع، أو يضر، فلا مدخل للعقل في أفعاله، ولا معارضة لأحكامه، بل يجب على الخلق الرضا والتسليم، فإن إدراك العقول لأسرار الربوبية قاصر، فلايتوجه على حكمه﴾ (6) .

ومعنى ذلك أنه يجب الرضا بالقضاء في المصائب والأوامر معاً.

أدلة أصحاب هذا القول:

1 - قال ابن القيم - رحمه الله تعالى -: ﴿ومن أوجبه قال: السخط حرام، ولا خلاص عنه إلاَّ بالرضا، وما لا خلاص عن الحرام إلاَّ به فهو واجب﴾ (1) .

قلتُ: فجعلوه من باب: ما لايتم الواجب إلاَّ به فهو واجب.

2 - قالوا: إن ذلك من تمام الرضا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد - (- رسولاً (2) .

3 - أنه إذا لم يكن راضياً بقضاء الله وقدره فهو ساخط، إذ لا واسطة بين الرضا والسخط، وسخط العبد على قضاء الله - تعالى - مناف لرضاه به (3) .

4 - أن عدم الرضا بالقضاء والقدر يستلزم سوء الظن بالله، ومنازعة في اختياره لعبده، وأن الرب - سبحانه - يختار شيئاً ويرضاه، فلايختاره العبد ولايرضاه، وهذا مناف للعبودية (4) .

5 - ما روي في الأثر: ﴿من لم يرض بقضائي ولم يصبر على بلواي فليتخذ رباً سواي﴾ (5) .

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ١٤٦٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ١٤٦٠