4 - أن القول بوجوبه يلزم منه الرضا بما حرم الله، مثل الرضا بمصيبة الكفر والفسوق وغيرهما (8) من القضاء الكوني القدري.
5 - أنه قد روي عن ابن عباس يرفعه: ﴿إن استطعت أن تعمل لله بالرضا مع اليقين فافعل، فإن لم تستطع فإن في الصبر على ما تكره خيراً كثيراً﴾ (9) .
وهذا فيه الحث على الرضا لا الأمر به (10) .
6 - أن المأمور به هو الرضا المشروع الديني، ولم يأمرنا بالرضا بالمقدور الكوني (11) .
7 - قالوا: أجمع العلماء على أنه مستحب، مؤكداً استحبابه (12) ، قال ابن تيمية - رحمه الله تعالى -: ﴿وأكثر العلماء على أن الرضا بذلك مستحب وليس بواجب﴾ (13) .
والصحيح أن المصائب هي قضاء الله ومنسوبة إليه على وجهين:
الأول: كونها فعل الله القائم بذاته - تعالى -، فهذا يجب الرضا به، والتصديق والتسليم له، ومن ذلك عدل الله، وحكمته، وقدرته، وعلمه - سبحانه - وخلقه، فالرضا بالمصائب من هذا الوجه واجب لاشك في ذلك.
الثاني: المقضي المنفصل عن الله، المفعول له، فهذا قسمان: مصائب ومعائب، فالمعايب لاشك أنه يحرم الرضا بها، كما سيأتي.
وأمَّا ما يصيب الإنسان فقسمان - أيضاً -: ما كان من صحة وغنى ولذة وغيرها من النعم، وهذا القسم يجب الرضا به، وأنه فضل وإحسان من الله يحمد عليه ويشكر.
وأمَّا ما يصيب العبد المؤمن من فقر، ومرض، وجوع، وأذى، وحر وبرد، وغير ذلك مِمَّا يكرهه ويبغضه العبد، فيستحب الرضا به، ولو عمل الأسباب لتغييره إلى ما هو أحسن.
والأدلة على استحباب ذلك كثيرة هي ما ذكره أصحاب القول الثاني وغيرها كثير:
منها: أن الله - سبحانه وتعالى - أثنى على أهل الرضا بقوله: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ (1) فأثنى عليهم ولم يوجب ذلك عليهم (2) ، قال ابن القيم - رحمه الله -: ﴿وأمَّا الرضا فإنَّما جاء في القرآن مدح أهله، والثناء عليهم لا الأمر به﴾ (3) .
ومن ذلك: ما ورد في القرآن الكريم من مدح الراضين بما يفعله الله بعبده من المصائب، كقوله - تعالى -: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَءَاتَي الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلا ةَ وَءَاتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَآءِ وَالضَّرَّآءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولائِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولائِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (1) والبأساء: الفقر، والضراء: المرض، وحين البأس: حين القتال (2) .
وقوله - تعالى -: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَآءُ وَالضَّرَّآءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَءَامَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلاَ إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ (3) .
قال ابن تيمية - رحمه الله -: ﴿البأساء في الأموال، والضراء في الأبدان، والزلزال في القلوب﴾ (4) .
الرضا بالمعاصي
القسم الثالث: وهو الجاري باختيار العبد، وقضاء الرب، مِمَّا يكرهه الله ويسخطه، وينهى عنه، وهو ما يسمى: الرضا بالمعصية:
لقد فتح إبليس لكثير من الناس باب الأهواء، فلايتوبون، ولايستغفرون، ولايرون إلاَّ أنهم على الحق، وهو يرضى بذلك منهم دائماً (1) ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَآءَ فَزَيَّنُوا لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ﴾ (2) أي: هيأنا لهم شياطين، أو سلّطنا عليهم قرناء، يزينون لهم المعاصي، وهم من الجن ومن الإنس أيضاً، فآثروا المعاصي على أمر الله، وركنوا إلى أعمالهم في الدنيا، ونسوا الآخرة، فوجب عليهم العذاب، فكانوا من الخاسرين لأعمالهم في الدنيا، وأنفسهم وأهليهم في الآخرة (3) ﴿يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ، إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (4) .