تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والجواب من وجوه:

1 - أنه لاتناقض بينهما، فوجود التألم، وكراهة النفس له لاينافي الرضى، كرضى المريض بشرب الدواء الكريه، ورضى الصائم في اليوم الشديد الحر بما يناله من ألم الجوع والظمأ، ورضى المجاهد بما يحصل له في سبيل الله من ألم الجراح، وغيرها.

2 - أن طريق الرضى طريق مختصرة، قريبة جداً، موصلة إلى غاية، ولكن فيها مشقة، ومع هذا فليست مشقتها بأصعب من مشقة طريق المجاهدة، ولا فيها من العقبات والمفاوز ما فيها، وإنَّما عقبتها همة عالية، ونفس زكية، وتوطين النفس على كل ما يرد عليها من الله.

ويسهل ذلك إذا وطن نفسه على الرضا بما قدره الله عليه، ولايتكلف من الأسباب ما لا طاقة به له (1) .

وهذا القسم من الكوني أيضاً على نوعين:

النوع الأول: ما للعبد فيه استطاعة واختيار وإرادة في منازعته ومدافعته بكل ممكن:

ومثاله الجوع، والعطش، أو البرد ونحو ذلك، فإن العبد يترك الانقياد له، ومسالمته، ويدفعه بقدر آخر من الأكل والشرب واللباس ونحوه.

فإذا وقع حريق - مثلاً - في دار، أو متجر، أو مركب، فهذا بقدر الله - تعالى - والعبد لايستسلم له، ويسالمه، ويتلقاه بالإذعان، بل عليه أن ينازعه، ويدافعه بالماء والتراب، وغير ذلك مِمَّا يطفيء الحريق، وما خرج في ذلك عن قدر الله.

بل يجب أن يفعل الأسباب في عدم حصول ذلك أصلاً، كما في الحديث: احترق بيت بالمدينة على أهله من الليل، فحدث بشأنهم النبي - (-، قال: ﴿إن هذه النَّار إنَّما هي عدو لكم، فإذا نمتم فأطفئوها عنكم﴾ (2) .

ومن ذلك تغطية الإناء، وإيكاء السقاء، وإغلاق الأبواب، وذكر اسم الله عليها، وإطفاء السرج عند النوم، وكف الصبيان والمواشي بعد المغرب (3) .

وهكذا إذا أصاب المؤمن مرض، فهذا بقدر الله - تعالى - وقضائه الكوني، فإن له أن يدافعه، وينازعه بقدر الله أيضاً، فيستعمل الأدوية الدافعة للمرض، فإن غلبه وقهره حرص على دفع آثاره وموجباته بالأسباب التي نصبها الله لذلك، فيكون قد دفع القدر بالقدر، كما في قصة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، وقوله عندما عوتب على فراره من الطاعون، وعدم دخوله أرض الشام بمن معه من الصحابة، والتابعين - رضي الله عنهم جميعاً - فقالوا له: ﴿أفراراً من قدر الله؟﴾ ، فقال عمر - رضي الله عنه -: ﴿نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله، أرأيت إن كانت لك إبل هبطت وادياً له عدوتان: إحداهما: خصيبة، والأخرى جدبة، أليس إن رعيت الخصيبة رعيتها بقدر الله، وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله؟ قال: فجاء عبد الرحمن بن عوف - وكان متغيباً في بعض حاجته - فقال: إن عندي في هذا علماً، سمعت رسول الله (يقول: ((إذا سمعتم به بأرض فلاتقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلاتخرجوا فراراً منه﴾ قال: ﴿فحمد الله عمر، ثُمَّ انصرف﴾ (1) .

قال ابن القيم - رحمه الله -: ﴿ومن لم يستبصر من هذه المسألة ويعطها حقها لزمه التعطيل للقدر أو الشرع شاء أو أبى، فما للعبد ينازع أقدار الرب بأقداره في حظوظه، وأسباب معاشه، ومصالحه الدنيوية، ولاينازع أقداره في حق مولاه، وأوامره ودينه، وهل هذا إلاَّ خروج عن العبودية، ونقص في العلم بالله وصفاته وأحكامه﴾ (2) .

وعلى هذا، فإنه لابد أن يرضى بهذا المقضي، ولايجزع، ولايعترض على قدر الله وقضائه، وإن كره، أو تألم، أو أبغض المقدر، أو طلب تغييره إلى ما هو أحسن، مع علمه بأنه قد يكون ما أصابه من ذلك خير مِمَّا هو يحب أن يصيبه، مِمَّا ظاهره الخير، فهو غير مأمور بمدافعة القضاء الكوني ﴿وَعَسى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُم وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (1) .

النوع الثاني: ما ليس للعبد فيه اختيار، ولا طاقة، ولا حيلة في منازعته ومدافعته.

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ١٤٥٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ١٤٥٩