أمَّا الجزع من القضاء، أو النياحة (3) ، أو الحلق (4) ، أو الشق (5) ، أو الصلق (6) ، فإن هذا يشعر بعدم الرضا بالقضاء، ومناف له، وترك للصبر على المصائب (7) ، كما سيأتي - إن شاء الله -.
ويجوز التألم من الأمراض، والأوجاع، والإخبار بما يجده الإنسان من ذلك، كالإخبار بما يجده من الجوع والفقر، من غير ضجر، أو جزع، أو سخط من ذلك كله، بل للتسلية والتصبر (8) ، قال الله - تعالى - في حال موسى - عليه السلام -: ﴿فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُءَاتِنَا غَدَآءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ (9) أي: تعباً (10) .
وقد خرج النبي - (- ذات ليلة فإذا هو بأبي بكر، وعمر، فقال: ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة؟ قالا: الجوع يا رسول الله، قال: وأنا والذي نفسي بيده لأخرجني الذي أخرجكما، قوموا فقاموا معه فأتى رجلاً من الأنصار، فإذا هو ليس في بيته فلما رأته المرأة قالت: مرحباً وأهلاً، فقال لها رسول الله - (-: أين فلان؟ قالت: ذهب يستعذب لنا من الماء، إذ جاء الأنصاري، فنظر إلى رسول الله - (- وصاحبيه، ثُمَّ قال: الحمد لله، ما أحد اليوم أكرم أضيافاً مني، قال: فانطلق فجاءهم بعذق فيه بسر وتمر ورطب، فقال: كلوا من هذه، وأخذ المدية فقال له: رسول الله - (-: إياك والحلوب، فذبح لهم فأكلوا من الشاة، ومن ذلك العذق، وشربوا، فلما أن شبعوا ورووا، قال رسول الله - (- لأبي بكر وعمر: ﴿والذي نفسي بيده لتسألن عن هذا النعيم يوم القيامة، أخرجكم من بيوتكم الجوع، ثُمَّ لم ترجعوا حتى أصابكم هذا النعيم﴾ (1) .
وقال الله عنه يعقوب - عليه السلام -: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (2) .
وقال الله - تعالى - عن أيوب - عليه السلام -: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِي الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ ... ﴾ (3) .
فالتألم والشكوى إلى الله، لاينافيان الرضا بالقضاء، فهما زيادة عبادة لله - تعالى -، إذا لم يصاحبهما تسخط على المقدور، ثُمَّ إن الألم لايقدر أحد على رفعه إلاَّ الله، والنفوس مجبولة على وجدان ذلك، فلايستطاع تغييرها عما جبلت عليه (4) .
وفي صحيح البخاري (5) أن عائشة قالت: وا رأساه ... فقال النبي - (-: ((بل أنا وا رأساه)) .
قال ابن القيم - رحمه الله -: ﴿وقد أشكل على بعض الناس اجتماع الرضا مع التألم، وظن أنهما متباينان، وليس كما ظنه، فالمريض الشارب للدواء الكريه متألم به، راض به، والصائم في شهر رمضان في شدة الحر متألم بصومه، راض به ... فالتألم كما لاينافي الصبر لاينافي الرضا به. وهذا الخلاف بينهم إنَّما هو في الرضا بقضائه الكوني، وأمَّا الرضا به رباً، وإلهاً، والرضا بأمره الديني؛ فمتفق على فرضيته، بل لايصير العبد مسلماً إلاَّ بهذا الرضا، أن يرضى بالله ربا، وبالإسلام ديناً، وبمحمد - (- رسولاً﴾ (1) .
فإخبار المريض بشدة مرضه، وقوة ألمه جائز، إذا لم يقترن بذلك شيء مِمَّا يمنع، أو يكره، من التبرم، وعدم الرضا، وهذا أثناء المرض.
فعن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه - رضي الله عنهما - قال: دخلت على أبي بكر - رضي الله عنه - في مرضه الذي توفي فيه، فسلمت عليه وسألته؛ كيف أصحبت؟ فاستوى جالساً، فقلت أصبحت بحمد الله بارئاً؟ قال: أمَّا إني على ما ترى وجع} (2) .
وقال عروة: دخلت أنا وعبد الله بن الزبير على أسماء - يعني بنت أبي بكر وهي أمهما - وأسماء وجعة، فقال لها عبد الله: كيف تجدينك؟ قالت: وجعة (3) .
وإذا كان ذلك أثناء المرض فمن باب أولى جواز الإخبار بذلك بعد البرء (4) .
شبهة وجوابها:
بعض الناس يظن أن من شرط الرضى ألا يحس بالألم والمكاره، وطعنوا فيه وقالوا: هذا ممتنع على الطبيعة، وإنَّما هو الصبر، وإلاَّ فكيف يجتمع الرضى والكراهة؟ وهما ضدان.