الرضى: إنَّما هو في الدنيا، يقول: ﴿رضي الله عنهم، ورضوا عنه، وأعد لهم هناك في الآخرة، والرضى: ملك يفضي إلى ملك، وهم أوجه الخلق عندهم، ولم تكن لهم أعمال تقدمت شكرهم عليها، ولا شغفا لهم عنده، ولكنه كان ابتداء منه، وقد فرغ الله مِمَّا أرادوا، أسعد بالعلم من قد عرف، وإنَّما العقوبات على قدر الملمات، إذا لم يكن شيء جاءت عقوبات ذلك بقدره﴾ (1) .
وقال أحدهم: ﴿وثلاثة من أعلام الرضا: ترك الاختيار قبل القضاء، وفقدان المرارة بعد القضاء، وهيجان الحب في حشو البلاء﴾ (2) .
وقيل: ﴿الرضى سكون القلب إلى قديم اختيار الله للعبد أنه اختار له الأفضل فيرضى به﴾ (3) .
قال ابن القيم - رحمه الله - بعد ذكر هذا القول: ﴿قلت: وهذا رضى بما منه، وأمَّا الرضا به: فأعلى من هذا، وأفضل، ففرق بين من هو راض بمحبوبه، وبين من هو راض بما يناله من محبوبه، من حظوظ نفسه، والله أعلم﴾ (4) .
وقال أيضاً - رحمه الله -: ﴿ومنها - أي من حكمته - أنه - سبحانه - يذيق ألم الحجاب عنه، والبعد، وزوال ذلك الأنس، والقرب، ليمتحن بده، فإن أقام على الرضا بهذه الحال، ولم يجد نفسه تطالبه حالها الأول مع الله، بل اطمأنت، وسكنت إلى غيره، علم أنه لايصلح، فوضعه في مرتبته التي تليق به ... ﴾ (5) .
وقال ابن تيمية - رحمه الله -: ﴿والرضا وإن كان من أعمال القلوب فكماله الحمد، حتى إن بعضهم فسر الحمد بالرضا، وذلك يتضمن الرضا بقضائه﴾ (6) .
وقال: ﴿والله يستحق الرضا لذاته﴾ (7) .
وقد رأى بعضهم أن حقيقة الرضا هي: الزهد، كما روي عن الفضيل بن عياض أنه قال: ﴿الزهد: الرضا عن الله﴾ (8) .
وقد رأى بعض العلماء أن الرضا هو: غنى النفس.
وفي الصحيحين عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: ﴿ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس﴾ (1) ، وغنى النفس إنَّما ينشأ عن الرضا بقضاء الله، والتسليم لأمره، علماً بأن الذي عند الله خير وأبقى، فهو معرض عن الحرص، والطلب.
فالمتصف بغنى النفس يكون قانعاً بما رزقه الله، لايحرص على الازدياد لغير حاجة، ولايلح في الطلب، ولايلحف في السؤال، بل يرضى بما قسم الله له، فكأنه واحد أبداً (2) .
وهذا ما عناه النبي - (- عندما استعاذ من فتنة الغنى، وفتنة الفقر؛ لأنهما حالتان تخشى الفتنة فيهما، بالتسخط، وقلة الصبر، والوقوع في حرام، أو شبهة للحاجة، ويخاف من الأشر، والبطر، والبخل بحقوق المال، أو إنفاقه في إسراف، وفي باطل، أو في مفاخر ...
قال الخطابي: ﴿إنَّما استعاذ - (- من الفقر الذي هو فقر النفس، لا قلة المال﴾ (3) .
وقال القاضي عياض: ﴿وقد تكون استعاذته من فقر المال، والمراد الفتنة في عدم احتماله، وقلة الرضا به ... ﴾ (4) .
وبعضهم يرى أن حقيقة الرضا: القناعة، أو أن القناعة أول الرضا (5) .
وروي عن أبي سليمان الداراني قوله: ﴿إذا سلا العبد عن الشهوات فهو راض﴾ (6) .
وعلى هذا إنَّما يمنع العبد من الرضا والقناعة طلب نفسه لفضول شهواتها، فإذا لم يحصل سخط، فإذا سلا عن شهوات نفسه، رضي بما قسم الله له من الرزق (7) .
وقال أعرابي في الرضى، والقناعة (8) ، وذم السؤال:
علام سؤال الناس والرزق واسع
وأنت صحيح لم تخنك الأصابع
وللعيش أوكار وفي الأرض مذهب
عريض وباب الرزق في الأرض واسع
فكن طالباً للرزق من رازق الغنى
وخل سؤال الناس فالله صانع (9)
وقال مسلم بن الوليد (10) :
أقول لمأفون البديهة طائر
مع الحرص لم يغنم ولم يتمول
سل الناس إني سائل الله وحده
وصائن عرضي عن فلان وعن فل (11)
وقال بعض العلماء نظماً:
تقنع بِمَا يكفيك واستعمل الرضا
فإنك لاتدري أتصبح أم تمسي (1)
قال أبو ذؤيب الهذلي (2) :
والنفس راغبة إذا رغبتها
وإذا ترد إلى قليل تقنع (3)
وقال لبيد (4) :
فمنهم سعيد آخذ بنصيبه
ومنهم شقي بالمعيشة قانع (5)