تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قلتُ: ويُمكن أن تكون حقيقة الرضا، هي: لزوم ما جعل الله رضاه فيه، من الأحكام الشرعية، بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، لاسيما إذا قام بواجبها، ومستحبها، وعمل ما أبيح له من غير تعد إلى المحظور، مع اليقين والصبر، وعدم طلب فضول الشهوات، والقناعة بما يقضيه الله له في عيشه، وما يحتاج إليه في حياته، وعدم حسد الخلق، أو مخاصمتهم، أو تمني ما في أيديهم، أو سخط ما آتاه الله، وإن كانت نفسه تكرهه طبعاً، وتظنه ليس خيراً، والتسليم بذلك، مع فعل الأسباب المأمور بها، وكراهة المعاصي، والابتعاد عنها، كما تدل عليه النصوص الكثيرة، منها قوله - تعالى -: ﴿إِنَّ الَّذِينَءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولائِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ، جَزَآؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ (6) .

وما في الصحيح عن أبي هريرة، عن النبي - (- قال: ﴿إن الله قال: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إلي مِمَّا افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن، يكره الموت، وأنا أكره مساءته﴾ (7) .

وستتضح حقيقة الرضا بالحديث عن أنواع الرضا بالقضاء وأنواع القضاء - إن شاء الله تعالى -.

الرضا مقام أم حال؟

واختلف أهل التصوف في حقيقة الرضا هل هو مقام مكتسب، أم حال موهبي؟ إلى ثلاث فرق أو طرق هي:

1 - طائفة - أو فرقة - قالت: الرضى مقام مكتسب، هو نهاية التوكل، يُمكن أن يتوصل إليه العبد باكتسابه، وهؤلاء متصوفة خراسان، في القرن الثامن، ومن تبعهم عليه (1) .

واحتجت هذه الطائفة بأن الله مدح أهله، وأثنى عليهم، وندبهم إليه، فدل ذلك على أنه مقدور لهم (2) .

2 - طائفة - أو فرقة - قالت: الرضا حال من جملة الأحوال، وليس كسبياً للعبد، بل هو نازلة تحل بالقلب، كسائر الأحوال، أي أنه موهبة محضة (3) .

3 - وطائفة ثالثة؛ منهم القشيري - صاحب الرسالة القشيرية وغيره - قالوا: بداية الرضا مكتسبة للعبد، وهي من جملة المقامات، ونهايته من جملة الأحوال، وليست مكتسبة، فأوله مقام ونهايته حال (4) .

واعتبروا هذا جمعاً - أو حكماً - يُمكن الجمع به بين مذهب الطائفتين السابقتين.

قال ابن القيم - رحمه الله -: {فمما اختلفوا فيه: الرضا، هل هو حال أم مقام، فيه خلاف بين الخراسانيين والعراقيين، وحكم بينهم بعض الشيوخ فقال: إن حصلت بكسب فهو مقام، وإلاَّ فهو حال.

والصحيح في هذا: أن الواردات والمنازلات لها أسماء باعتبار أحوالها، فتكون لوامع، وبوارق، ولوائح عند أول ظهورها وبدُوّها، كما يلمع البارق، ويلوح عن بعد، فإذا نازَلَتْه، وباشرها فهي أحوال، فإذا تمكنت منه، وثبتت له من غير انتقال، فهي مقامات، وهي لوامع، ولوائح في أولها، وأحوال في أوسطها، ومقامات في نهاياتها} (5) .

فهو يرى - رحمه الله - أن الرضى كسبي باعتبار سببه، موهبي باعتبار حقيقته، فقال: ﴿فيمكن أن يقال بالكسب لأسبابه، فإذا تمكن في أسبابه، وغرس شجرته: اجتنى منها ثمرة الرضى، فإن الرضى آخر التوكل﴾ (6) .

قلتُ: والفرق بين المقامات، والأحوال عند الصوفية: أن المقامات عندهم من المكاسب، أمَّا الأحوال فهي مجرد المواهب.

والصحيح: أن المقامات قد تحصل بفعل الأسباب من العبد، وقد تحصل من غير فعل العبد، وفي كلا الحالتين فالموجد لها هو الله - سبحانه وتعالى -، فمقام الرضا بالقضاء: مقام عظيم، وأصل من أصول الإيمان، ومن قواعد الدين، التي يطلب بها حظوظ الدنيا، وأمور الدين، وهي في أمور الدين أعظم، كالتوكل، والإنابة، والاستعانة، وغيرها (1) .

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ١٤٤٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ١٤٤٣