تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثُمَّ الرضا بعد وقوع كل ذلك، وتحققه بما يجري عليه من هذا القضاء والقدر، وعدم الجزع، أو الاعتراض على ما قضي، والتسليم للأمر والنهي، وما وقع من خير أو شر، وأن لله حكمة في ذلك، لايعلمها إلاَّ هو، قد تكون خيراً للعبد، وهو يظن أنها ليست كذلك، فيحسن الظن بالله - تعالى -، ويقنع بما يحصل له من رزق، وغيره، ولاتتوق نفسه إلى غير ما قضي، وقدر له، مع فعل الأسباب المأمور بها.

حقيقة الرضا

والرضا - وإن كان من أعمال القلوب - فله حقيقة تترجمه إلى واقع ملموس، ومشاهد، ويتفاوت الناس عند الله - تعالى - في هذه الأعمال، فما هي حقيقة الرضا؟ .

لقد تحدث الكثير عن حقيقة الرضا، وأمسك البعض وظن أن حقيقة الرضا لاتعرف، ولاتعلم (1) ، وبالغ آخرون، فجعلوا الرضا من جملة الأحوال التي ليست بمكتسبة بل هو موهبة محضة (2) ، وبعضهم جعله الانطراح والتسليم لما يجريه الله دون العمل، حتى يقول: ﴿الرضا أن لاتسأل الله الجَنَّة ولاتستعيذ به من النَّار﴾ (3) .

وإليك أقوال الناس عن حقيقة الرضا:

قيل: حقيقة الرضا من رضي الله في كل شيء فقد بلغ حد الرضا (4) .

وقيل: عدم الحرص على الازدياد، فهذا غنى النفس، الذي هو الناشيء عن الرضا بقضاء الله - تعالى - والتسليم لأمره؛ وأنَّ ما عنده خير وأبقى، فيعرض صاحبه عن الحرص والطلب، كما قال القائل:

غنى النفس ما يكفيك من سد حاجة فإن زاد شيئاً عاد ذاك الغنى فقراً (5)

وقال سفيان الثوري: ﴿لايكون غنياً أبداً حتى يرضى بما قسم الله له؛ فذلك الغنى﴾ (6) .

وقال ابن مسعود - رضي الله عنه -: ﴿ما أبالي إذا رجعت إلى أهلي على أي حال أراهم، أبسراء أم بضراء، وما أصبحت على حال فتمنيت أني على سواها﴾ (7) .

وقيل للفضيل بن عياض: من الراضي عن الله؟ قال: الذي لايحب أن يكون على غير منزلته التي جعل فيها (8) .

وقيل عن الرضا: من لم يتكلم بغير الرضا فهو راض (9) .

وقيل: اشتكى عمران بن حصين - رضي الله عنه - فدخل عليه جار له، فاستبطأه في العيادة، فقال له: يا أبا نجيد، إن بعض ما يمنعني من عيادتك ما أرى بكم من الجهد. قال: فلاتفعل، فإن أحبه إليّ أحبه إلى الله، فلاتبتئس لي بما ترى، أرأيت إذا كان ما ترى مجازاة بذنوب قد مضت، وأنا أرجو عفو الله على ما بقي، فإنه قال: ﴿وَمَآ أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾ (1) (2) .

وقيل: إن سفيان الثوري قال عند رابعة (3) : ﴿اللهم ارض عني﴾ فقالت له: أما تستحي أن تطلب رضا من لست عنه براض (4) ؟ .

قال سهل (5) : إذا اتصل الرضا بالرضوان اتصلت الطمأنينة، فطوبى لهم وحسن مآب.

يريد قوله - جلّ وعزّ -: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ (6) . فمعناه: أن الرضا في الدنيا تحت مجاري الأحكام، يورث الرضوان في الآخرة بما جرت به الأقلام.

قال الله - تعالى -: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (7) (8) .

وقيل: ﴿الرضا عن الله ينتظم الصبر انتظاماً﴾ (9) .

وقيل: ﴿ثلاثة من أعلام التسليم: مقابلة القضاء بالرضا، والصبر عند البلاء، والشكر عند الرضا﴾ (10) .

وقيل لسفيان بن عيينة: ما حد الزهد؟ قال: ﴿أن تكون شاكراً في الرضا، صابراً في البلاء﴾ (11) .

وقال نفطويه (12) : ﴿كان يقال: العاقل من كرم صبره عند البلاء، ولم يظهر منه ترفع عند الرضا﴾ (13) .

وسئل بعضهم عن أصول الدين، فقال: ﴿اثنان: صدق الافتقار إلى الله - عزّوجل – وحسن الاقتداء برسول الله - (- وفرعه أربعة: الوفاء بالعهود، وحفظ الحدود، والرضا بالموجود، والصبر على المفقود﴾ (14) .

وقال الساجي (15) : ((قال لي رجل لو جُعلت لي دعوة مستجابة ما سألت الفردوس، ولكن أسأله الرضى: هو تعجيل الفردوس.

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ١٤٤١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ١٤٤١