ومعنى قولهم: ﴿القدر سر الله في خلقه﴾ : أن الله قد أخفى علمه عن خلقه، فلايطلع عليه أحد لا ملك مقرب، ولا نبي مرسل، فهو - سبحانه - أوجد وأفنى، وأفقر وأغنى، وهدى وأضل، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾ (6) .
وقد روي عن ابن عمر مرفوعاً: ((لاتكلموا بشيء من القدر فإنه سر الله فلاتفشوا سر الله)) (7) .
وسئل علي - رضي الله عنه - عن القدر، فقال: ﴿سر الله فلا تكشفه﴾ (8) .
﴿والقضاء والقدر: أمران متلازمان لاينفك أحدهما عن الآخر؛ لأن أحدهما بمنزلة الأساس؛ وهو القدر، والآخر بمنزلة البناء؛ وهو القضاء﴾ (9) .
فمن رام الفصل بينهما فقد رام هدم البناء، ونقضه، فالمقضي مقدر، والمقدر مقضي، ولا دليل على التفريق بينهما (10) ، إلاَّ أن الذي أراه أنهما إذا اجتمعا فإن لكل لفظ من لفظيهما زيادة بيان عن الآخر من وجه، كما هو الحال في ألفاظ اللغة العربيَّة ومترادفاتها، ومن ذلك ألفاظ القرآن الكريم ثُمَّ إن لذكر اللفظ مع الآخر في موضع أو سياق له دلالته، والله أعلم.
وقد جاء في تعريف الرضا بالقضاء أقوال كثيرة، منها:
قيل: ﴿الرضا: ارتفاع الجزع في أي حكم كان﴾ (1) .
وقيل: ﴿سكون القلب تحت مجاري الأحكام﴾ (2) .
وقال بعضهم الرضا: ﴿ترك الخلاف على الله فيما يجريه على العبد﴾ (3) .
وقال آخر الرضا: ﴿سرور القلب بمر القضاء﴾ (4) .
وقال ابن مسعود - رضي الله عنه -: ﴿الرضا: أن لاترضي الناس بسخط الله، ولاتحمد أحداً على رزق الله ولاتلم أحداً على ما لم يؤتك الله، فإن الرزق لايسوقه حرص حريص، ولايرده كراهية كاره، والله بقسطه وعلمه جعل الروح والفرح في اليقين والرضا، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط﴾ (5) .
وقيل: الرضا: ألاّ يتمنى خلاف حاله (6) .
وقيل: الرضا: ترك الاختيار (7) .
وقيل: الرضا: استقبال الأحكام بالفرح (8) .
وقال بعضهم الرضا: نظر القلب إلى قديم اختيار الله للعبد؛ فإنه اختار له الأفضل (9) .
وسئل أحدهم عن الرضا، فقال: ﴿من لم يندم على ما فات من الدنيا، ولم يتأسف عليها﴾ (10) .
وقال الآخر: ﴿معنى الرضا: فيه ثلاثة أقوال: ترك الاختيار، وسرور القلب بمر القضاء، وإسقاط التدبير من النفس حتى يحكم لها عليها﴾ (11) .
ولما سئل أحدهم عن الرضا، قال: ﴿الرضا بالحق، والرضا عن الحق، والرضا له﴾ .
فقال: الرضا به: مدبراً ومختاراً، والرضا عنه: قاسماً ومعطياً، والرضا له: إلهاً ورباً} (12) .
وقال شقيق البلخي (13) : ﴿وتفسير الرضا على ثلاث (14) خصال: أولها: أمن من الفقر، والثاني: حب القلة والثالث: خوف الضمان، وتفسير الضمان: ألا يخاف إذا وقع في يده شيء من أمر الدنيا؛ أن يقيم حجته بين يدي الله، في أخذه، وإعطائه، على أي الوجوه كان﴾ (15) .
وقال الراغب الأصفهاني (16) : ﴿ورضا العبد عن الله: أن لايكره ما يجري به قضاؤه، ورضا الله عن العبد: هو أن يراه مؤتمراً لأمره، ومنتهياً عن نهيه﴾ (17) .
والرضا عمل قلبي، ليس بقول اللسان، ولا عمل الجوارح، ولا هو من باب العلوم والإرادات.
ولهذا يُمكن أن يكون تعريف الرضا تبعاً لمعناه في اللغة، وما سبق من هذه الأقوال جميعاً، وما يوافق نصوص كتاب الله، وسنة رسوله - (- هو: التسليم بالقضاء، والقناعة بما قسم، قل أو كثر، والسكون إلى الله، وحمده على ما قضاه، وترك الندم أو الحسرة أو الحزن على ما فات من رزق، وعدم التسخط، أو الاعتراض على ما وقع من قضاء الله الكوني، وحب أمر الله، والعمل به، وترك معاصيه، واجتنابها، والبشر والإكرام، والغنى عما في أيدي الناس، واليقين بأن الله المعطي، المانع وحده لا شريك له.
أو نقول: الإيمان بالقضاء والقدر هو: التصديق الجازم بأن كل خير وشر فهو بقضاء الله وقدره، واليقين بأنه - سبحانه - الفَعَّالُ لما يريد، لايكون شيء إلاَّ بإرادته، ولايخرج عن مشيئته، وليس في العالم شيء يخرج عن تقديره ولايصدر إلاَّ عن تدبيره، ولا محيد لأحد عن القدر، ولايتجاوز ما خط في اللوح المحفوظ، وأنه خالق أفعال العباد، من الطاعات، والمعاصي، ومع ذلك فقد أمر العباد، ونهاهم، وجعلهم مختارين لأفعالهم، غير مجبورين عليها، بل هي واقعة بحسب قدرتهم، وإرادتهم. يهدي من يشاء برحمته، ويضل من يشاء بحكمته: ﴿لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ (1) .