وشَبَّهَ هذا القائلُ في ((إيَّا)) : إنَّه اسمٌ مظهَرٌ هذا الاسمَ ب ((كِلا)) ، فذَكَرَ أنَّه مثلُ ((كِلا)) في أنَّه يُتَوصَّلُ به إلى المضمَر كما يُتَوصَّلُ ب ((كِلا)) إليه.
قال أبو عليٍّ: وليس ((كِلا)) مثل ((إيَّا)) ؛ لأنَّهَا تتَصَرَّفُ، وتُضافُ إلى المظهَرِ إضافةً مطَّردةً كما تُضافُ إلى المضمَر، وتُضَافُ إلى المفرَدِ الذي يُرادُ به الكثرةُ، وينقلب حرفُ الإعراب فيه كما ينقلب في ((أخيك)) و ((أبيك)) و ((فيك))
والتثنيةِ والجمعِ،/ ويؤنَّثُ، ويُبدَلُ من لامِ فِعْلِهِ التَّاءُ. فليس ((إيَّا)) مثلَ ((كِلاَ)) ؛ لأنَّ ((كِلاَ)) اسمٌ مُفْرَدٌ مُظْهَرٌ يَدلُّ على الاثنين (1) ،كما أنَّ ((كُلاًّ)) اسمٌ مفرَدٌ مُظْهَرٌ يدلُّ على الجميع، والذي يَلْزَمُنَا أنْ نُفَصِّلُ من حيث شَبَّهَ فنرى أن ((كِلاَ)) ليس بوُصْلَةٍ إلى المضمَرِ؛ لإضافَتِهِم إيَّاه إلى الظَّاهر، نحو قولِهِ: كِلاَ الفريقَين، وأنشَدَ:
وَكِلاَهُمَا في كَفِّه يَزَنِيَّةٌ والهُنْدُوَانِيَّاتُ يَخْطَفْنَ الْبَصَرْ (2)
وقال الشَّمَّاخُ:
كِلاَ يَوْمَي طُوَالَةَ وَصْلُ أَرْوَى ظَنُوْنٌ، آنَ مُطَّرَحُ الظَّنُونِ (3)
ونحو هذا، فليس ((كِلاَ)) متوَصَّلاً به إلى المضمَر، لكنَّه اسمٌ ظاهرٌ؛ لإبدالهم اللاَّمَ منه كإبدالهم إيَّاه من ((أُخْت)) ، ولِلَحاق علامةِ التَّأنيث به. وبَدَلُ الحروف، والتَّأنيثُ، وانقلابُ حروفِ الإعراب لا يلحَقُ شيءٌ منه الأسماءَ المضمَرَةَ، فَبَيِّنٌ أنَّ ((إيَّا)) ليس ك ((كِلا)) ؛ إذ لم نجدْ شيئاً مماَّ وجَدْناه في ((كِلا)) فنَستَدِلَّ به على أنَّه اسمٌ ظاهرٌ، ويَبْطُلُ أنْ يكونَ ((إيَّا)) مثل ((كِلاَ)) في أنَّه مُتَوَصَّلٌ به إلى المضمَر؛ لاطِّراد إضافة ((كِلا)) إلى الظَّاهر وامتناع إضافة ((إيَّا)) إليه مطَّرداً.
وقولُ أبي إسحاقَ (4) : ((مَن قال: إنَّ (إيَّاكَ) بكماله الاسم (5) ، قيلَ له: لم نَرَ اسماً للمضمَر ولا للمظهَر يُضافُ إنما يَتَغيَّرُ آخِرُهُ، ويبقى ما قبل آخِرِه على لفظٍ واحدٍ)) . في عبارته اختلالٌ، وأحسَنُ ما نصرِفُهُ إليه أن نوجِّهَهُ على أنه يريد به تضعيفَ قول أبي الحسن (6) : ((إنَّه اسمٌ مفرَدٌ مضمَرٌ)) ، وقد قدَّمْنَا ذِكْرَ ما لَهُ أن يَحتَجَّ به.
فأمَّا ما حكاه أبو العبَّاس عن الخليل أنه مضمَرٌ مضافٌ، وما حَكَيْتُهُ عن المازنيِّ من ذلك، فهو مستبعَدٌ لا أعلَمُ له سماعاً يَعْضُدُهُ، ولا قياساً يُثْبِتُهُ.
وحُكي عن أبي عثمانَ أنَّه قال: ((لولا قولُهُم: (وإيَّا الشَّوابِّ) ، لكانت الكافُ للمخاطبة كالتي في (ذلك)) ) .
والذي عندي أنَّ حَمْلَ هذه الحكايةِ على الشُّذوذ أسهلُ من إضافته إلى المضمَر؛ إذ الغرضُ في الإضافة التَّخصيصُ والمضمَرُ على نهاية التَّخصيص، فلا وجهَ إذاً لإضافته.
ويُقَوِّي قولَهُم يعني (المازنيَّ والخليلَ في أنَّ ((إيَّا)) مفرَدٌ مضمَرٌ) (1) ما حكاه سيبويهِ (2) من أنَّ بعضَهُم سمِعَ: ((خَرَجْتُ مَعَهُم)) ، فقال: معَ مَنِينَ؟ فاستفهَمَ عن المضمَرِ كما يُستَفهَمُ عن المنكور. ألا ترى أنَّ ((منًا)) و ((مَنِينَ)) ونحوَه يقَعُ استفهاماً عن النَّكَرات دون المعارفِ والمختَصَّاتِ.
* * *
[سورة البقرة] :
المسألة الثَّالثة
قال (3) في قوله - عز وجل -: ﴿الم * ذَلِكَ﴾ [الآيتان: 1 2] :
((ففي فتح الميم قولان:
أحدهما: لجماعةٍ من النَّحْويين (4) وهو أنَّ هذه الحروفَ مبنيةٌ على الوقف، فيجب بعدها قطعُ ألف الوصل فيكون الأصلُ: ﴿المْ * أَلله﴾ (5) ، ثمَّ طُرِحَت فتحةُ الهمزة على الميم، وسَقَطَت الهمزة، كما تقول: واحدْ، إثْنَان، وإنْ شئْتَ قلتَ: واحدِ اثْنان، فأَلقَيْتَ كسرةَ همزةِ ((إِثنين)) على الدَّال.