تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقال قومٌ من النَّحْويين: لا يَسُوغُ في اللَّفظ أن يُنطَقَ بثلاثة أحرفٍ سَوَاكِنَ، فلا بدَّ من فتحة الميم التي في: ﴿المَ * الله﴾ لالتقاء السَّاكنين، (أعني الميمَ واللاَّمَ التي بعدها) . وهذا القولُ صحيحٌ لا يمكنُ في اللَّفظ غيرُه (6) .

وأمَّا مَنْ زعَمَ أنَّه إنمَّا ألْقَى حركةَ الهمزة فيجبُ أن يقرأَ: ﴿المِ * الله﴾ ، وهذا لا أعلَمُ أحداً قرأَ به إلا الرُّؤَاسيَّ (1) ، فأمَّا مَن رواه عن عاصمٍ فليس بصحيح الرِّواية.

وقال بعضُ النحويين: لو كانت متحرِّكةً لالتقاء السَّاكنين لكانت مكسورةً. وهذا غَلَطٌ بَيِّنٌ، لو فعلنا ذلك في التقاء السَّاكنين إذا كان الأوَّلُ ياءً لَوَجَبَ أن تقول: أينِ زَيدٌ، وكيفِ زَيدٌ، وإنمَّا وقع الفتح (2) لِثِقَلِ الكسرة بعد الياء)) .

قال أبو عليٍّ / (أيَّده الله) :

هذه الحروفُ موضوعةٌ على الوقف عليها دون الوصل بها، والدَّليلُ على ذلك قولُهُم في التَّقطيع والتَّهجِّي: قاف صاد، لام، ونحو ذلك ممَّا جاء على أكثرَ من حرفَين فلم تُحرَّك أواخِرُهُنَّ. ونظيرُ هذه الحروف في أنَّها موقوفةٌ غيرَ موصولةٍ أسماءُ العدد نحو: ثلاثه، أربعه، وما بعد ذلك، فإذا أَخبَرْتَ عن حروف الهجاء أو أسماءِ الأعداد فقد أخرَجْتَهَا بذلك من حيِّزِ الأصوات، وأدْخَلْتَهَا في جملة الأسماء المتمكِّنَةِ، واستَحَقَّتْ أنْ تُعرَبَ للإخبار عنها، وأنَّه لا معنى للحرفيَّة فيها؛ إذ زال إرادةُ الحكاية بها، فدخَلَتْ بذلك في حدِّ المتمكِّنَات، وخَرَجَتْ من باب الأصوات، (وكذلك العددُ إذا أردْتَ به معدوداً ولم تُرِدِ العددَ وحدَه دون المعدود أعْرَبْتَ) (3) .

وكذلك إذا عَطَفْتَ؛ لأنَّ الأصواتَ ليس حكمُها أن تُعطَفَ بحروف العطف؛ إذ حالُ (4) العطف كالتَّثْنِيَةِ.

وأمَّا قولُهُ - عز وجل -: ﴿الم * الله﴾ فمذهبُ سيبويهِ (1) فيه أنَّه حُرِّكَ لالتقاء السَّاكنين، والسَّاكنُ الذي حُرِّكَ له الميمُ هو لامُ التَّعريف. والدَّليل على صحة ذلك أنه لا يخلو من أن يكون محرَّكاً لالتقاء السَّاكنين كما ذهب إليه، أو حُرِّكَ لأنَّ فتحةَ الهمزة أُلْقِيَت عليه،كما قال مَن خَالفَه (2) ، فتبيَّنَ أنه لا يجوزُ أنْ تكونَ (3) الحركةُ للهمزة؛ إذ هذا الحرفُ رَسْمُهُ وحُكْمُهُ أن يُجتَلَبَ (4) في الابتداء إذا احتِيجَ إلى اللَّفظ بحرفٍ ساكنٍ دون الصِّلة والإدراج. فإذا اتَّصل السَّاكنُ المجتلَبُ له هذا الحرفُ بشيءٍ قبلَه، استُغْنِيَ عنه فحُذِفَ، ولم يُحتَجْ إليه فاطُّرِحَ. فإن كان المتَّصلُ به السَّاكنُ متحرِّكاً بقي على حركته، نحو: ذَهَبَ ابنُكَ، وإن كان حرفاً ساكناً غيرَ لِينٍ أو مضارِعاً لِلِّين حُرِّكَ نحو: ﴿عَذَابٍ ارْكُضْ﴾ (5) و ﴿أَنْ لَّوِ اسْتَقَامُوا﴾ (6) وزَيدُنِ العاقلُ، ونحو ذلك، فكذلك الهمزةُ في اسم ((الله)) من قوله: ﴿الم * ألله﴾ إذا اتَّصَلَ بما قبلها لَزِمَ حذفُها،كما لَزِمَ إسقاطُها فيما ذَكَرْنَا، فإذا لَزِمَ حذفُها لَزِمَ حَذْفُ حركتها أيضاً؛ لأنَّكَ لا تجدُ هذه الهمزةَ المجتَلَبَةَ في موضعٍ مُلقَاةً (7) وحَرَكَتُهَا مُبقَاةٌ، فإذا لَزِمَ حَذْفُها من حيث ذَكَرْنَا، لم يَجُزْ إلقاؤها على الحرف السَّاكن. فليس حركةُ الميم إذاً بحركة الهمزة، وإذا لم تكن (8) حركةَ الهمزة بدلالة ما ذَكَرْنَا، ثَبَتَ أنَّهَا حركةُ التقاء السَّاكنين؛ إذ لا قِسمَ ثالثاً.

ويدلُّ أيضاً على امتناع قولِ مَن قال بذلك: أنَّ (هذه الهمزةَ في الابتداء) (1) في التوصُّلِ إلى النُّطق بالسَّاكن نظيرُ الهاء التي تلحَقُ في الوقف لتَبْيِين الحركة وإثباتِها، فكما أنَّ الحرفَ الذي تُجتَلَبُ له الهاءُ في الوقف إذا اتَّصَلَ بشيءٍ بعده لم تَتَبَيَّن حركتُهُ بها؛ لقيام ما يتَّصِلُ به مَقَامَه، فحَذَفْتَهُ ساكناً كان أو متحرِّكاً، كذلك يَلْزَمُ أنْ تُحذَفَ الهمزةُ إذا اتَّصل ما اجتُلِبَت لسكونه بشيءٍ قبلَه، وإثباتُها في الوصل خطأٌ، (كما أنَّ إثباتَ الهاء في الوصل خطأٌ) (255) .

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ١٤٠١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ١٤٠١