وقولُ أبي إسحاقَ في آخِرِ الفصل: ((إنَّ الهاء في (إيَّاهُ) مَجْرَاها كالَّتي في عَصَاهُ)) إنْ أرادَ به شرحَ ما ذهب إليه من أنَّ ((إيَّا)) اسمٌ ظاهرٌ في موضع نَصْبٍ، كما أنَّ الأواخِرَ من المعتلَّة نحو: ((عصًا)) و ((مِعْزًى)) محكومٌ في مواضعها بحسَبِ الإعراب الذي يستحقُّهَا، فهو فاسدٌ لِمَا ذَكَرْنَاه، وإنْ أرادَ أنَّ اتصالَهُ بالهاء على حدِّ اتصالِ ((عصًا)) به في أنَّ الألِفَ تبقى على سكونها وصورتها،كما يكونُ في ((عصًا)) كذلك، ولا تنقلبُ ياءً كما تنقلب التي في ((إليه)) و ((عليه)) فهو صحيحٌ.
ويدل أيضاً على أنَّه اسمٌ مضمَرٌ أنَّه في المنصوب / نظيرُ ((أنتَ)) في المرفوع، فكما أنَّ ((أنتَ)) مضمَرٌ،كذلك قولُنا: ((إِيَّاكَ)) مضمَرٌ.
فإن قال قائلٌ: إذا كان اسماً مضمَراً فكيف جاز إضافتُهُ في قولهم: إيَّاكَ وإيَّاهُ ونحوِ هذا، والمضمَرُ لا يُضافُ لأنَّ الإضافة للتخصيص، والمضمَرُ أشدُّ المعارف تخصيصاً؟
فالقولُ: إنَّ النُّظَّارَ في العربيَّة اختلفوا في ذلك (1) ؛ فحَكَى أبو بكر محمَّدُ بنُ السَّرِيِّ السَّرَّاج، عن أبي العبَّاس محمَّدِ بنِ يزيدَ أنَّ الخليل (2) يذهب إلى أنَّ ((إيَّا)) مضمَرٌ مضافٌ. وحُكِيَ عن المازنيِّ مثلُ هذا القول المحكيِّ عن الخليل في أنه اسمٌ مضمَرٌ مضافٌ.
وحَكَى أبو بكرٍ عن أبي العبَّاس (3) عن أبي الحسن الأخفشِ، وأبو إسحاقَ عن أبي العبَّاس غيرَ منسوبٍ إلى الأخفش أنَّه اسمٌ مفرَدٌ (4) مضمَرٌ، يتغيَّرُ آخِرُهُ كما يتغيَّرُ أواخِرُ سائر المضمَرات لاختلاف أعداد المضمَرين وأنَّ الكافَ في ((إيَّاكَ)) كالتي في ((ذلك)) في أنَّه دلالةٌ على الخِطاب فقط مجرَّدةً من كونها علامةً للمضمَر.
ولا يجيزُ أبو الحسن فيما حُكِيَ عنه: إيَّاكَ وإيَّا زيدٍ، وإيَّايَ وإيَّا الباطلِ، فقال قائلٌ مُنْكِراً عليه قولَه ورَادّاً: إنَّ الكافَ التي في ((إيَّاكَ)) ليست كالَّتي في ((ذلك)) ؛ لأنَّ ((إِيَّا)) قد تُضافُ إلى الهاء فيقالُ: إيَّاهُ وإيَّاهما، وتُضافُ إلى المتكلِّم أيضاً في ((إيَّايَ)) ونحوِهِ، فاعتقابُ هذه الأوصافِ (5) عليه يدلُّ أنَّه ليس بمنزلة الكاف في ((ذلك)) وأنَّه ضميرٌ.
والجوابُ: أن لأبي الحسن أنْ يستَدِلَّ بترْكِهِم تأكيدَ هذا المضمَرِ في ((إيَّاكَ)) وقلَّةِ إضافتِهِم له إلى المظهَرِ أنَّ سائرَ علاماتِ الضَّمير في ((إيَّا)) سوى الكاف حروفٌ غيرُ أسماءٍ. ألا تَرَى أنَّه لم يُسْمَعْ: إيَّاكُم كُلِّكُم، وإيَّاكَ نفْسِكَ.
فإن قلتَ: فقد قال سيبويه (1) عن الخليل: ((لو أنَّ قائلاً قال: إيَّاكَ نفسِكَ لم أعنِّفْهُ)) فليس ذلك بروايةٍ، ولا محضَ إجازةٍ، وهو قياسٌ على ما حكاه سيبويه من قوله (2) : ((حدَّثَني مَن لا أَتَّهِمُ عن الخليل أنَّه سمِعَ أعرابيّاً يقولُ: إذا بَلَغَ الرَّجُلُ السِّتِّينَ فإيَّاهُ وإيَّا الشَّوابِّ)) ، وكأنَّ أبا الحسن استقلَّ هذه الروايةَ ولم يجدها كثيرةً، فلم يَقِسْ عليها ولم يعتَدَّ بها. ألا تَرَى أنَّه لم يُجِزْ: إيَّاكَ وإيَّا الباطلِ، ولا يَستَحْسِنُ الجميعُ إضافةَ هذا الاسمِ إلى الظَّاهر. فهذان الأمران يُقَوِّيَان أنَّ هذه العلاماتِ في هذا الاسمِ ليست بأسماءٍ.
وبعدُ، فإذا جاز أن تكونَ الكافُ والياءُ والألِفُ والواوُ تارةً أسماءً، وتارةً حروفاً، جاز ذلك في سائر هذه العلامات ولم يمتنع، فتكونُ الكافُ (3) والهاءُ في هذا الاسم لعلامة الخطاب والغيبة فقط،كما كانت تلك الحروفُ الأُخَرُ لهما من غير أن تكون اسماً، فيكون تغُيُّرُ هذا الآخِرِ بتغيُّرِ المضمَرِين كتغيُّرِ ((ذلك)) وما أشبهه من علامات الخطابِ.
فما اعتلَّ به مَنْ ذَكَرَ أنَّه اسمٌ ظاهرٌ من الإضافة ليس بحجَّةٍ؛ لاحتماله أنْ يكونَ غيرَ مضافٍ بما ذَكَرْنَاه، وثبَتَ بما قدَّمْنَاه من الأدلَّة أنه مضمَرٌ ليس بمظهَرٍ.