عرَضَ أبو عليٍّ في كتابه هذا كثيراً من المسائل النَّحْويَّة واللُّغويَّة والصَّرفيَّة، وهذه المسائلُ في أغلبها مسائلُ اعتمد فيها الزَّجَّاجُ على كلام للخليل وسيبويه، إلاَّ أنَّه فَهِمَهُ على غير الوجه الذي فَهِمَهُ عليه الفارسيُّ، ومن هنا كان الطَّابَعُ العامُّ لهذه المسائل طابعاً نحوياً صرفياً، وفي القليل كان تعقُّبُهُ عليه من جهة التَّفسير، ولعلَّ أكبر دليل على ذلك هو أنَّكَ تمضي في الكتاب إلى صفحة (100) تقريباً فلا تراه يتناول إلا ثلاثَ مسائلَ هي: (لفظ الجلالة وتصريفه) و (إيَّا) ، و (حروف التَّهجِّي في أوائل السور) . وقد اقتضب أبو عليٍّ الحديث في بعضها، وأطال في بعضها الآخر واستطرَدَ مستشهداً على كل ما يقول في غالب الأحيان بأقوال سيبويه، والأئمة من اللغويين أمثال أبي زيدٍ وقطرُبٍ، ومستدلاً على ما يقول بأشعار العرب وأمثالهم.
شخصيَّةُ أبي عليٍّ واضحةٌ غاية الوضوح في ((الإغفال)) ، فتراه يصحِّحُ ويقوِّي، ويخطِّئ ويوهِّنُ ما يراه وتراه يختارُ مشيراً إلى الأحبِّ من الآراء إليه فيقولُ: ((والأول أعجبُ إلينا)) ، أو يستبعدُ ما لايراه قوياً فيقول: ((ولا أستحسنُ هذا)) (1) .
كان أبو عليٍّ (رحمه الله) يُقَدِّرُ العلماءَ الثِّقات، بل إنَّه يرى وُجُوبَ اعتبارِ ما رَوَوه وإنْ جاء مخالفاً للعام الشَّائع، فتراه يقولُ عن قُطْرُبٍ في روايته ل ((إسوار)) بالكسر: ((فأمَّا ما حكاه قُطْرُبٌ من أنَّه يُقالُ فيه: ((إِسْوَارٌ)) فهذا الضَّرْبُ من الأسماء قليلٌ جدّاً، إلاَّ أنَّ الثِّقَةَ إذا حَكَى شيئاً لَزِمَ قَبُولُهُ. ونظيرُهُ قولُهُم: الإِعْصَارُ ... )) .
يعمَدُ أبو عليٍّ في كثيرٍ من الأحيان إلى استقصاء المعنى في مادَّةٍ لغويَّةٍ ما، وذِكْرِ الكَلِمِ المصَرَّفة منها،كما في (شور) (2) و (آن) (3) وغيرها.
يَشيعُ في ((الإغفال)) النَّزعةُ المنطقيَّةُ الجدليَّةُ التي اتَّسَمَ بها أسلوبُ أبي عليٍّ، ومن ثَمَّ فإنَّكَ واجدٌ عباراته: (فإن قال قائلٌ ... قيل له) و (فإن قيل: ... قيل) ، و (فإن قلتَ ... فالجواب) مبثوثةً في كل مسألة.
أمَّا الاستطرادُ والخروج عن موضوع المسألة المعتَرَضِ عليها فأمر واضحٌ أيضاً، ولذلك رأيناه يقولُ في غير مكان: ((وهذا شيءٌ قد عرض في المسألة ثمَّ عدنا إليها)) (4) .
يجمَعُ أبو عليٍّ بعضَ المسائل مع بعضها لمناسبة بينها، ومن ثَمَّ فإن بعض الآيات يتقدَّم ذكرها عن مكانها الحقيقي في سورتها، ولا يعيد أبو علي ذكرها في مكانها، أو أنه يذكرها ويحيل على ما تقدم فيها،كما حدث في الآية: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوْعِ﴾ ، وهي الآية (155) من سورة البقرة، فقد أوردها الفارسيُّ حين حديثه عن الآية (38) في المسألة الثامنة، في حين أن هناك آيات أخرى متقدمة عليها جاءت بعدها، كما ذَكَرَ في هذا المكان أيضاً قولَه تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ في أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ وهي الآية (186) من سورة آل عمران، وقولَه: ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ الله بِشَيءٍ مِنَ الصَّيْدِ﴾ وهي الآية (94) من سورة الأنعام وهكذا، وقد صنعت فهرساً عامّاً للآيات الواردة في الكتاب يمكن من خلاله الوصول إلى مكان أي آية.
يُحيلُ الفارسيُّ كثيراً في كتاب ((الإغفال)) إلى بعض كتبه الأخرى وخاصةً كتاب: ((المسائل المشكلة)) المعروف ب ((البغداديات)) ، على أنه تجدُرُ الإشارةُ أيضاً هنا إلى شيء مهمٍّ وهو أنَّ الفارسيَّ (رحمه الله) قد أحال أيضاً في كتابه ((المسائل المشْكِلَة)) المعروف ب ((البغداديَّات)) إلى كتاب ((الإغفال)) ، وذلك قد أوقع بعضَ الباحثين في حيرةٍ من أمرهم، هل كتاب ((المسائل المشْكِلَة)) غيرُ كتاب ((البغداديَّات)) ؟ أم أنَّهما كتابٌ واحدٌ؟ وإذا كان كذلك، فكيف وقعت الإحالةُ في كلِّ كتابٍ منهما على الآخَرِ؟