تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن ثَمَّ رأينا أبا عليٍّ يدافع عن سيبويه، وعن آراء سيبويه، ضد المعترضين وبخاصَّةٍ المبرِّدُ الذي اعترض على سيبويه وخطَّأه في كتابه المسمى ب (الغَلَط) ، ولعلَّ هذا ما جعل الفارسيَّ يعمد إلى الزَّجَّاج تلميذ المبرد فيتعقَّبُهُ في كتابه ((معاني القرآن وإعرابه)) ويَرُدَّ عليه في هذا الكتاب الذي نحن بصدد تحقيقه، ولعل ذلك أيضاً كان الحامل على مسالمته في الأعم الأغلب لأحمد بن يحيى (ثعلب) خصم المبرد (2) . على أنَّ أبا حيَّان (رحمه الله) أرجَعَ ذلك إلى أنَّ أبا عليٍّ كان محبًّا للرَّدِّ على الزَّجَّاج وتخطئته، قال: ((لأنَّه كان مولَعاً بذلك)) (3) .

لقد جاء كتاب ((الإغفال)) شرحاً لكثير من نصوص كتاب سيبويه، وتطبيقاً للقواعد التي فيه، فقد رأيتُهُ حريصاً بشكل كبير على شرح كلام سيبويه أينما مرَّ به، وكان يعمدُ في كثير من الأحيان إلى بسط القولِ في المسائل لأنَّ لها ارتباطاً بكلام سيبويه، فنراه يقول (4) : (( ... وإنمَّا شَرَحْنَا هذا لأنَّهَا من مسائل الكتاب، وهذا لفظُ سيبويه، قال: وممَّا جاء من هذا الباب في القرآن وغيرِه قولُهُ: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيْمٍ تُؤْمِنُوْنَ بِاللهِ وَرَسُوْلِهِ وَتُجَاهِدُوْنَ في سَبِيْلِ اللهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ ، فلما انقضت الآية قال: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ﴾ )) .

وقد يشرحُ أبو عليٍّ نصاً لسيبويه لا نجدُهُ له في كتبه الأخرى، ولا في تعليقته التي وضعها على الكتاب، وخاصَّة إذا كان يُوردُ أكثرَ من رواية لنص سيبويه كما هي عادته في كثير من المواطن، ومن ذلك ما فعله مع نص سيبويه الذي قال فيه (1) : ((اعلَمْ أنَّ قولَهم في الشِّعْرِ: إِنْ زَيدٌ يَأْتِكَ يكنْ كذا، إنمَّا ارتَفَعَ على فِعْلٍ هذا تفسيرُهُ،كما كان ذلك في قولِكَ: إِنْ زَيْداً رَأيتُهُ يكُنْ ذلك؛ لأنَّه لا يُبْتَدَأ بعدها الأسماءُ ثُمَّ يُبْنَى عليها)) .

قال (أي: سيبويه) : ((فإنْ قلتَ: إِنْ تَأتِنِي زَيدٌ يَقُلْ ذاكَ، جاز على قولِ مَنْ قالَ: زَيداً ضَرَبْتُهُ، وهذا موضعُ ابتداءٍ وفي نسخةٍ أخرى: وليس هذا موضعُ ابتداءٍ، ألا ترى أنَّكَ لو جِئْتَ بالفاء فقلتَ: إِنْ تَأْتِنِي فَأنَا خيرٌ لكَ، كان حَسَناً. وإنْ لم تَحمِلْهُ على ذلك رُفِعَ، وجاز في الشِّعْرِ كقوله:

* ... ... اللَّهُ يَشْكُرُهَا *

ومثلُ الأوَّلِ قولُ هِشَامٍ الْمُرِّيِّ:

فَمَنْ نَحْنُ نُؤْمِنْهُ يَبِتْ وَهْوُ آمِنٌ وَمَنْ لاَ نُجِرْهُ يُمْسِ مِنَّا مُفَزَّعَا))

فقد تكلم الفارسيُّ على هذا النصِّ (في كلتا روايتيه) بإسهابٍ، وبيَّن مقصوده فيه.

إنَّ أبا عليٍّ يقفُ باقتدارٍ عجيبٍ على دقائق كلام سيبويه، ونراه (رحمه الله) ينبِّهُ على وجود كلامٍ في كتاب سيبويه يوحي بالتَّناقض بين موضعٍ وآخَرَ، وأنَّه يجب التنبُّه إلى ذلك فيُتَفَقَّدَ ويُمَحَّصَ فلا يحمل على التناقض، استمع إليه يقولُ (2) : ((كثيرٌ من الكتاب يجب أن يُتَفَقَّدَ فلا يُحمَلَ على ما يتناقَضُ. وهو غير قليلٍ)) .

ومن مظاهر عنايته واهتمامه وتفرده بالكتاب أنه قد يجمع لنا ما يخص المسألة من كلام سيبويه المتفرق في كتابه، ويشير إلى ذلك فيقول (1) : (( ... فقد نصَّ كما ترى على أنَّ (فَعَلْتُ) قد وقع موقع (أَفعَلُ) في غير الجزاء، فإنمَّا غرضُهُ في وقوع هذه الأمثلة بعضِها مكان بعضٍ، ما تقدَّمَ حكايتنا له. وهذه المواضع التي جمعناها فيما أردْنَاه من الاتِّساع في هذه الأمثلة متفرِّقةٌ في ((الكتاب)) غيرُ مجتمعةٍ، فقِفْ عليها)) .

وإذا لم يكن لسيبويه نصٌّ في الموضوع الذي يتحدَّثُ فيه الفارسيُّ نَصَّ على ذلك فقال: ((وليس لسيبويه فيه نصٌّ)) (2) .

ورُبمَّا قوَّى رأيَ غيرِ سيبويه عليه،كما في المسألة السادسةَ عشرَةَ حيث أيَّدَ رأيَ الأخفش في أنَّ الألِفَ واللاَّمَ في ((الرجل)) من قولهم: ((ما يحسُنُ بالرَّجُل مثلك)) زائدةٌ فقال: ((ومذهبُهُ عندي أقوى)) (3) .

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ١٣٨٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ١٣٨٢