تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تناول أبو عليٍّ في الكتاب ما يزيد على مائةِ مسألةٍ. وهي في مجملها قضايا نحويَّةٌ وصرفيَّةٌ وصوتيَّةٌ تناولها أبو عليٍّ بالشَّرح والتَّحليل. وقد أطنب في بعضها كثيراً بحيث لم يترك زيادةً لمستزيد، وفي بعضها كان يقتضبُ القول اقتضاباً بما يوضِّحُ موضعَ الإغفال من كلام الزجاج، وفي بعضها الآخر نراه يسكُتُ فلا يُعقِّبُ بشيء بعد ذِكْرِ موضع الإغفال، ولعله اكتفى بكلامه عنه في مكانٍ آخَرَ.

كان من منهج أبي عليٍّ في ((الإغفال)) أنَّه يبتدئُ بذِكْرِ نصِّ أبي إسحاقَ، وقد يشير إلى مواضعَ أخرى من (معاني القرآن وإعرابه) تكرَّرَ فيها كلامُ أبي إسحاق، ثمَّ يُتْبِعُ أبو عليٍّ ذلك بكلامه مبتَدِئاً بقوله: ((قال أبو عليٍّ)) ، ثمَّ يأخُذُ بتفنيد رأي أبي إسحاق، ودحضه بالأدلة والبراهين، ويصف في بعض الأحيان قولَه بالغلط والنِّسيان، وأحياناً بالفساد والبُعْدِ عن قول سيبويه.

كتابُ ((الإغفال)) يصدُرُ عن نزعةِ التَّقدير التي وَقَرَت في صدر أبي عليٍّ لسيبويه، ومن أجل ذلك هاجم مَن هاجَمَ كالمبرِّد والزَّجَّاج، وسالَمَ مَن سَالَمَ كأبي زيدٍ وقُطْرُب، معتبراً في ردِّهِ وهجومه ومسالمته ما يرى أنَّه الحقُّ أوَّلاً وما يبدو من موقفِ المهاجم أو المسالم ثانياً (1) .

كتاب ((الإغفال)) يدلُّ دلالةً واضحةً وصادقةً على تفهُّم أبي عليٍّ لكتاب سيبويه، وعكوفه عليه، وتعمُّقه في دراسته، لذا فقد كان أبو عليٍّ يضمِّنُ كلامَه كثيراً من عبارات سيبويه وأمثلتِهِ، حتَّى إنَّكَ لتراه يجري على لسانه كأنَّه يحفظُهُ عن ظهر قلب، حتى إن عباراته تداخلت مع نص الكتاب في بعض نسخه (2) .

وكثيراً ما يتكلَّمُ بكلام سيبويه، ويمثِّل بأمثلته دونما إشارة، فإذا عدتَ إلى الكتاب رأيت الكلام لسيبويه. ولَمَّا كان لسيبويه (رحمه الله) المكانة الأولى بين النحاة، فلا غرابة في أن يجري أبو عليٍّ في فلكه. ويرى الأستاذ الدكتور عبد الفتاح شلبي أنَّ هناك أسباباً خاصة أخرى جعلت أبا عليٍّ يقفُ هذا الموقف من إمام النُّحاة؛ فكلاهما فارسيٌّ، بل إن قبر سيبويه موجود بشيراز تلك المدينة التي بقي فيها أبو عليٍّ قرابة عشرين سنة أيام صباه، ثم عاد إليها بعد رحلته إلى بغداد واتصاله بعضد الدولة ليقيم فيها عشرين سنة أخرى، فهذه أربعون عاماً قضاهاً بجوار ذلك الإمام، ولعلَّ كلَّ ذلك دافِعٌ لأنْ يقِفَ أبو عليٍّ ذلك الموقف الصُّلب مدافعاً عن إمام النحاة (سيبويه) ضدَّ معارضيه (رحمهم الله جميعاً) (1) . وأقولُ: بل ربما يكونُ الدَّافعُ الأهمُّ في هذه الحملة التي قادها أبو علي ضدَّ شيخه هو الخلاف المذهبي بين أبي إسحاق السني، وأبي عليٍّ المعتزلي.

((لقد قرأ أبو عليٍّ (رحمه الله) كتاب سيبويه قراءةً فاحصةً واعيةً، ووازن نسخه بعضها ببعض، وردَّ ما يُتَوهَّمُ في الكتاب من التَّدافع، وصحَّحَ مذهبه، واحتجَّ به، واحتجَّ له، ونصَّ على أنَّ القولَ قولُ سيبويه، وبنى على ما يرويه، وقاس على ما يحكيه)) (2) ، ومن ثَمَّ فإنَّ أبا عليٍّ يُتعِبُ مَن يتصدَّى إلى تحقيق مؤلفاته، في إرجاع اقتباساته من كلام سيبويه إلى ((الكتاب)) ، لذا فقد تعبتُ في تتبُّع مسائله في الكتاب، وأخفقتُ في الوصول إلى بعضها ممَّا حكاه عن سيبويه.

كلُّ هذا في ((الإغفال)) يدلُّ بوضوحٍ على صدق قول أبي حيَّان التوحيدي في أبي عليٍّ و ((الكتاب)) حيث قال (1) : ((وأما أبو عليٍّ فأشدُّ تفرُّداً بالكتاب، وأشدُّ إكباباً عليه، وأبعدُ من كلِّ ما عداه مما هو علمُ الكوفيين، وما تجاوز في اللُّغة كتبَ أبي زيدٍ، وأطرافاً مما لغيره، وهو متِّقدٌ بالغيظِ على أبي سعيد، وبالحسد له، كيف تمَّ له تفسيرُ كتاب سيبويه من أوَّلِهِ إلى آخِرِهِ بغريبه، وأمثاله، وشواهده، وأبياته)) .

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ١٣٨١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ١٣٨١