تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن التثاقف يتطلب " التأثير المستمر والثقيل الذي تقوم به ثقافة مسيطرة على ثقافة مسيطر عليها والتي لا تتمكن من التخلص من هذه السيطرة، هذا التأثير الذي أدى إلى تحوّلات عميقة في الثقافة المسيطر عليها، وذلك تبعا لدرجة مقاومة هذه الأخيرة. ويظهر أثر هذه التحوّلات على بنيات المجتمع وعلى الأفراد ظهورا صريحا؛ علما بأن الثقافة تحدد طرق الانتظام الاجتماعي، وتساهم في التعريف بأهم مكونات الوسط الذي يسلك فيه الفرد كما أن استقرار وانسجام الوسط الثقافي من شروط تكامل الشخصية ".

وفي هذا الصدد يرى رالف لينتون (R.Linton 1965) : أن " فردا يعيش في مجتمع ذو ثقافة مستقرة نسبيا، يرى شخصيته في صيرورة متكاملة ومنسجمة كلما كبر وتقدم في السن. فالفرد الذي يجد نفسه في هذه الحالة يكون سعيدا أكثر من ذلك الذي يرى نفسه مرغما على ملاحظة نماذج من السلوكيات الظاهرية التي تتباين مع الأنظمة القيمية المواقفية التي نشأ عليها من خلال خبراته الأولى، ونتيجة هذا التباين تتضح أكثر عند أولئك الأفراد الذين بدأوا حياتهم في إطار ثقافة معينة ثم حاولوا التكيف فيما بعد مع ثقافة جديدة.

في هذه الشروط الثقافية قد يتمكن الفرد من التعلم كيف يتصرف أو حتى يفكر في إطار الثقافة الجديدة " إلا أن ما يصعب عليه تعلمه هو أن يشعر ضمنها بما يشعر به في ثقافته الأصلية. فكلما وجد نفسه أمام قرار ينبغي أن يتخذه إلا ويكتشف أنه يعوزه نظام المرجعية الثابت، كما تغيب عنه الموجهات التي تكون عند الفرد الأصيل في هذه الثقافة ". ويصرّح مارك ريشل (M.Richelle 1960) " إذا كان تكامل الشخصية تابعا أساسا لوسط ثقافي معين، فإن أي تغيّر قد يحدث في نظام هذه الثقافة يكون تكامل الشخصية معنيا بشكل مباشر". وتؤكد س. حسن الساعاتي (1983) العلاقة بين الثقافة والشخصية بقولها: " ... فكما أن الفرد يولد داخل مجتمع ما فهو يولد أيضا داخل ثقافة خاصة تشكّل شخصيته".

هذا " التصور للعلاقة بين الشخصية والثقافة يؤدي عموما إلى الاستنتاج بأن كل وضعية تثاقف تقود بالتعريف إلى تفكك الشخصيات التي تعيش هذا التثاقف، وأنها تحمل في طياتها اختلالات وتشوّهات مرَضية. إذا كانت هذه القاعدة عامة فقد يحق لنا اعتبار ظاهرة التثاقف كاختلال للنظام الثقافي، أي كمرض حقيقي يصيب الثقافة ".

الازدواجية الثقافية والازدواجية اللغوية والتثاقف:

في نظر كلود لفيس ستروس (C.Levi-Strauss 1958) : "اللغة هي في آن واحد فعل ثقافي في غاية الجودة وهي بواسطتها تنشأ وتنبني كل أشكال الحياة الاجتماعية وتصبح ذات ديمومة ". ونستوضح مع فيتوري هذه المقولة بما يلي: إذا ما طبقت هذه المقولة على الحقيقة المغاربية فإنها تسمح بالوعي بعمق الآثار التي نجمت وتنجم عن التثاقف على لغة الأفراد. إذ يكفي مد الأذن في أروقة المدارس وفي الأماكن العامة لمعرفة حالة التلف الذي توجد فيه لغة هؤلاء الناس. وقد ساهم التمدرس والازدواجيتان اللغوية والثقافية في تكريس ذلك؛ فهذا الخليط اللغوي بين العربية والفرنسية يترجم بجلاء الغموض الذي أنجزه التثاقف. فمنذ حلول الاستعمار إلى يومنا هذا ولغة طلبة الجامعة أو التلاميذ في المدارس أو حتى العوام لا تخلو جملة يتلفظون بها من مفردتين فرنسيتين مكيَفتين، هذا عن من يدرس بالعربية فماذا يقال عن الذين درسوا في المعاهد العليا الفرنسية وعن الناطقين بالبربرية؟ [نحن نؤكد]

الثقافة وتعدد اللغات:

إن النفوذ إلى ثقافة ما يتطلب بالضرورة التحكم في اللغة المطابقة لها. لكن بعد أن تأمل فيرنيتش (Weinreich 1973) في العلاقة لغة / ثقافة صرّح قائلا: "لو أن التواصل قد حُصر في حدود الطوائف اللغوية فسيكون في الإنسانية عدد من الثقافات المتنوعة الذي يماثل عدد اللغات. وهذا الأمر غير منطقي، فوجود التشابهات الثقافية المدهشة بين أقطار ذات لغات مختلفة اختلافا كبيرا لدليل على أن التواصل يمكن، بل ويجب أن يحدث بحيث يتعدى الحدود اللغوية ". وحسب فيرنيتش دائما فالثقافة لا تحدد بالضرورة اللغة نظرا لكون التشابه الثقافي يمكن أن يتأقلم بالتنوع اللغوي.

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ١٣٣٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ١٣٣٤