فهذا الطفل الذي يخضع إلى ظاهرة الازدواجية اللغوية (عربية/بربرية) قبل أن يكتسب لغته كاملة، ويتعلم المواد الدراسية الأخرى بنفس اللغة التي لم يتعلمها بعد،؛ وهنا سوف لن يبقى الوضع سليما، إذ أن مشكلات سوء التكيف والتخلف الدراسيين ... ستطرح لا محالة. وقبل اكتساب لغة المدرسة باعتبارها اللغة الأولى حسب السياسة التربوية، فإن لغة جديدة، وهي الفرنسية، تضاف ابتداءا من السنة الرابعة إلى المنهاج. مما يفرض عليه وضعية التعدد اللغوي دون أن يكتسب أيا منها اكتسابا طبيعيا.
يمكن أن نستخلص من هذا أن الطفل مزوّد تكوينيا بقدرة على تعلم أو اكتساب لغة أو أكثر، وذلك مهما كان بلده أو وسطه أو طبقته الاجتماعية الاقتصادية أو الثقافية؛ وأن أي عجز في إمكانيته اللغوية يتحمّل مسؤوليته من يحيط به ومن يشرف على أمور التربية والتعليم؛ حيث ينبغي للمدرسة أن تقوم بمهامها الخاصة بالعدالة في التربية عامة، وفي تعويض كل نقص قد يتسبب فيه الوسط العائلي أو الطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها هذا الطفل. إلا أن المدرسة لا تعمل على تعويض هذه النقائص فحسب، وإنما تُوسّع الهوة أكثر كلما ارتقى الطفل في سلمه التعليمي، بين الذين تحابيهم والذين تنبذهم.
لهذا نرى أنه من الضروري أن يأخذ النظام التربوي فكرة العدالة في الانطلاق في التعليم بعين الاعتبار، وذلك بإعطاء الفرص المناسبة لكل طفل في أن يتعلم لغة المدرسة، حسب الظروف التي يعيش فيها وحسب إمكانياته الخاصة، مع تخصيص الإطار الكفء في المناطق التي تتظلب دراية كبيرة بمشكلات تعلم اللغات، خاصة إذا كانت لغة المدرسة تختلف عن اللغة الأولى للطفل.
2 الازدواجية الثقافية والتثاقف:
إن فرض الاستعمار الفرنسي نفسه بشتى الطرق على الشعوب المغاربية عامة وعلى الشعب الجزائري خاصة قد أدى إلى تغيير عميق في مكوّناته الاجتماعية والثقافية (وحتى العقائدية) ؛ إلا أن ما تبقى من الزوايا في بعض الأرياف وفي الجنوب وما استنهضته جمعية العلماء المسلمين الجزائريين قد أدى إلى تخليد ما كانت الجزائر عليه بالرغم من احتكاك وتداخل الثقافتين العربية والفرنسية، وتصارع كل من التعليمين العربي والفرنسي قد أنشأ وضعية تصارعية بين عامة الشعب، والتي امتدت إلى الاستقلال ومازالت باقية إلى اليوم.
ويمكن القول أن الظاهرة الاستعمارية قد جعلت الفرد الجزائري " في ميدان معركة حيث يواجه عالَمان ثقافيان". فإذا كانت الثقافة العربية الإسلامية قد أنشأت هوية الشعوب المغاربية عامة، وكان لها قدرة إدماج هذه الشعوب وبالتالي تقبلها بكل رضى واطمئنان. فإن المستعمر" فرض ثقافته وأراد أن يدمج فيها هذه الشعوب بقوة. وكان يقصد من ذلك ابتلاعها وإدماجها في الشعوب المستعمرة (بكسر الراء) ، مما جعل السياسيين ورجال الدين يقاومون هذا التوجه الاستعماري المفروض مقاومة عنيفة بالبندقية والقلم ".
الازدواجية الثقافية وصراع الثقافات:
"إن وعي الشباب بالاختلال الموجود بين الثقافتين العربية الاسلامية من جهة والغربية من جهة أخرى، قد أظهر وُلوعا مفرطا تجاه الثقافة الغربية المعتبرة كوسيلة وحيدة للرقي الاجتماعي والثقافي من ناحية، وقد أخذ موقف المنسلخ عن الثقافة العربية الإسلامية من ناحية أخرى، التي اعتُبرت متخلّفة ". (فيتوري 1983) وفي "الحقيقة أن الأمر لا يتعلق بالصراع بين ثقافتين فحسب، وإنما الأمر يتعلق بتمزق الشخصية التي وجدت نفسها بين العصرنة (المبهرة) والتقليد (القديم) . وقد ساهمت المدرسة في تشكيل هذه الوضعيات التوترية، باعتبارها مصدر الناشر والموزع للتثاقف (acculturation) . وانطلاقا من تفتح المدرسة على العالم المعاصر من خلال الازدواجية الثقافية التي تعد إحدى خصائصها، لا تعمل إلا على تدعيم أوضاع التوتر التي يعاني منها الشباب، لأن التأقلم مع الثقافة العصرية يتولد عنه حاجات جديدة، ليس على المستوى الذهني فحسب ولكن بصفة أخص على المستوى الانفعالي أيضا ". ولهذا نتساءل: هل ينبغي أن يكون كل من الجو الاجتماعي والجو المدرسي ملائمين؟ وهل يمكن للتربويين الواعين بهذه الأوضاع، أن يحققوا هذا التأقلم للشباب مع الثقافة المزدوجة دون إحداث تمزق عميق أو تشويه أو تحريف للثقافات؟