وعلى ذلك فقد صحت عين المصدر حين صحت عين فعله، واعتلت حين اعتلت عين فعله، فقد قيس المصدر على فعله صحة واعتلالا.
بيد أنه لا يخفى أن هذا القياس من قبيل حمل الأصل على الفرع عند البصريين، خلافا للكوفيين الذين يرون أنه من قبيل حمل الفرع على الأصل بناء على أن الفعل أصل المشتقات والمصدر فرع عليه.
ومنه عدم إضافة اسم الفاعل إلى فاعله قياساً على عدم إضافته إلى فاعله المضمر حيث إن الأصل في اسم الفاعل عدم إضافته إلى فاعله مضمراً كان أو مظهراً إلا إذا كان غير متعد، وقصد ثبوت معناه، فإنه يعامل معاملة الصفة المشبهة، وتسوغ إضافته إلى مرفوعة، نحو: زيد قائم الأب، برفع الأب ونصبه وجره على حد قولهم: زيد حسن الوجه، أى أنه يعامل معاملة الصفة المشبهة في رفع السببي ونصبه وجره بالإضافة. ولما كان الأصل في اسم الفاعل منع إضافته إلى فاعله مطلقا، مضمراً أو مظهراً، على رأى الجمهور، فإن عدم إضافته إلى المظهر مقيس على المنع في المضمر لأن المضمر أقوى حكما في باب الإضافة من المظهر، لذلك قيس المظهر عليه وإن كان هو الأصل لقوته ووفور صورته (1) .
كان هذا من قبيل حمل الأصل على الفرع بناء على أن المراعى هنا هو أمر الإعراب والبناء، فالمضمرات مبنية، والبناء فرع الإعراب في الأسماء. فحين يقاس المظهر على المضمر يكون من باب حمل الأصل على الفرع، ومنه أيضاً إضافة المصدر إلى الفاعل الظاهر قياساً على جواز إضافته إليه مضمراً، حيث إن إضافة المصدر إلى الفاعل الظاهر قد جازت قياساً على جواز إضافته إلى فاعله المضمر، من قبل أن " المضمر أقوى حكما في باب الإضافة من المظهر لأن المظهر بلطفه، وقوة اتصاله، مشابه للتنوين بلطفه وقوة اتصاله". ولذلك لا يجتمعان في نحو: ضاربانك وقاتلونه، أي لا يجتمع التنوين والإضافة، ولكنك تثبت التنوين مع المظهر لقوته فتقول: ضاربان زيداً. وكانت إضافة المصدر إلى فاعله المظهر مقيسة على إضافته إلى فاعله المضمر. وإن كان المظهر هو الأصل، لأن المراعى هنا أمر الإعراب والبناء وليس الأصالة والفرعية.
لذلك كان جواز قياس إضافة المصدر إلى فاعله الظاهر، على أضافته إلى فاعله المضمر، من قبيل حمل الأصل على الفرع. إلا إذا روعي أصالة المضمر في مشابهته التنوين، وفرعية المظهر عليه في ذلك، فإنه يكون من قبيل حمل الفرع على الأصل (1) .
11- قياس الحرف على نظيره
... من أنواع القياس الشكلي، قياس الحرف على نظيره، وهذا مثل نون (عنتر) ، فإن الدليل يقضى بكونها أصلاً لأنها مقابلة للعين في (جعفر) الذي هو على وزن فعلل، وهذا الوزن موجود في أمثلتهم (2)) " أما إذا لم يقم الدليل فأنت في هذه الحالة محتاج إلى النظير، وهذا كالواو والياء من كلمة (عِزوِيت) فإنه لما لم يقم دليل على أنهما أصلان لجأت إلى التعليل بالنظير، وحملته على (فِعْلِيت) لوجود النظير وهو: عِفْرِيت ونِفْرِيت، لأن الحمل على ماله نظير أولى من الحمل على غيره.
ومنعت أن يكون على (فعويل) لعدم النظير، لأن (فعويلاً) بناء لم يجئ في الأمثلة الأصيلة، ولا في المزيد فيها فلا يجوز أن تجعله (فعويلاً) لأنه يترتب عليه كون الواو أصلاً في ذوات الأربعة غير مكررة، وهي لا تكون أصلاً في ذوات الأربعة إلا مع التكرار كالوصوصة والوجوجة والوحوحة. فإذا لم يجز أن يكون على الوزنين الأخيرين (فعويل فعليل) ثبت أنه على وزن (فعليت) فالواو حينئذ لام الكلمة مثل عفريت، والتاء هي الحرف الزائد.
ومن ذلك أيضاً - أرنب وأفكل فإنه لمّا لم يقم الدليل على أصالة الهمزة أو زيادتها لجأت إلى الحكم بزيادة الهمزة فيهما لوجود النظير بكثرة زيادتها فيما علم اشتقاقه كقولهم: أفضل، أشرف، أمجد، أحمد. " وهكذا فإن هذا النوع من الحمول لا يلجأ إليه إلا عند فقد الدليل، كما أن تحقيق النظير بعد قيام الدليل نوع من الإيناس فقط (3)) "