وقال أيضاً: ((ولا يكون شيءٌ على حرفين صفة حيث قل في الاسم وهو الأول الأمكن)) (2) .
ومقصود سيبويه بهذا ما يكون على حرفين استعمالاً مما حُذِف لامه، وأصله ثلاثي، ولذا قال: ((لأنه حذفٌ من أقل الحروف عدداً)) (3) .
وأوضح ابن عصفور ذلك بقوله: ((أبنية الأسماء الأصول أقل ما تكون ثلاثة، وأكثر ما تكون خمسة. ولا يوجد اسم متمكنٌ، على أقل من ثلاثة أحرف، إلا أن يكون منقوصاً، نحو (يَدٌ) و (دم) وبابهما)) (4) .
فما ذكره سيبويه على حرفين في الأسماء هو مما جاء في كلامهم محذوفاً من هذا النوع.
وأما (حِر) فوزنه (فِعٌ) ؛ ثم حُذِفَت لامه، إذ هو في الأصل (حِرْحٌ) على (فِعْلٌ) ودليل ذلك ((قولهم أفعال في جمعه، بمنزلة جِذْع وأَجْذَاع)) (5) .
وأما دَدٌ فأصلها (دَدَنٌ) على (فَعَلٍ) أيضاً و ((فيه لغاتٌ، يقال: اللَّهْوُدَدٌ مثل يَدٍ، ودَدَاً مثل قفاً وعصاً، ودَدَنٌ مثل حَزَن)) (1) .
أما (دَم) فقد جعل سيبويه أصله (فَعْلاً) حينما جعله يُكَسَّر على (فِعال وفُعول) مثل: دماء ودُمِيُّ، قياساً على ظَبْيٍ ودَلْوٍ، إذ تجمع على ظِباءٍ ودُلِيٍّ (2) .
وخالفه المبرد في ذلك فجعله (فَعَلاً) بتحريك العين (3) . ورَدَّ ذلك عليه ابن ولاَّدٍ في الانتصار (4) .
وأما سَتٌ وسَهٌ فأصلها قبل الحذف (سَتَةٌ) ووزنها (فَعَلٌ) ((كَجَبَلٍ، بدليل أستاه ... وفيه ثلاث لغات: است وسَتٌ، وسَهٌ)) (5) .
ف (يَدٌ) حُذِفَتْ منها اللام، إذ أصلها (يَدْيٌ) و ((وزنها فَعْلٌ يَدْيٌ، فحذفت الياء تخفيفاً، فاعتقبت حركة اللام على الدال)) (6) . ويدل على ذلك ((أنك تقول: أيْدٍ في الجمع، وهذا جمع فَعْل)) (7) .
وبهذا يتبين أن أصل هذه الكلمات ثلاثي، ولذا قال الزبيدي: ((وقد يجيء من الأسماء المتمكنة ما يكون على حرفين محذوفاً عن أصل بنائه، وليس ذلك بالكثير نحو يَدٍ ودمٍ وغَدٍ)) (8) .
و (غَدٍ) ((أصله (غَدْوٌ) حذفوا الواو بلا عِوَضٍ)) (9) .
وهذه الألفاظ التي سبق ذكرها هي مما استعمل على حرفين بلا عِوَضٍ، وذكر سيبويه ألفاظاً أخرى، عُوِّضَ فيها عن الحرف المحذوف هاءٌ فقال: ((وما لحقته الهاء من الحرفين أقلُّ ممّا فيه الهاء من الثلاثة؛ لأن ما كان على حرفين ليس بشيءٍ مع ما هو على ثلاثة، وذلك نحو: قُلَةٍ، وثُبَةٍ، ولِثَةٍ، وشِيَةٍ، وشَفَةٍ، ورِئَةٍ، وسَنَةٍ، وزِنَةٍ وعِدَةٍ وأشباه ذلك)) (10) .
وهذه الألفاظ على نوعين:
الأول: كانت محذوفة اللام، وهي: سَنَةٌ وشَفَةٌ ووزن أصليهما (فَعَل) . وقُلَة أصلها قَلْوٌ على (فَعْل) ورئة أصلها رِئْيَةٌ على (فِعْلَة) ولِثَة أصلها لِثَيٌ على (فِعَل) وثُبَة بمعنى الجماعة، أصلها ثُبَيٌ على فُعَل.
والآخر: ما كانت محذوفة الفاء، وهي: شِيَةٌ، وزِنَةٌ، وعِدَةٌ، فكلها على وزن عِلَةِ، إذ فاء الكلمات الثلاث واوٌ محذوفة.
وكل هذه الكلمات أسماء، وأشباهها كثير لا أريد الإطناب باستقصائها في هذا البحث.
المبحث الثاني: ما اختص به الاسم من أبنية الثلاثي
ذكر العلماء أبنية يختص بها الاسم الثلاثي دون الصفة، وهذه الأبنية كلها مزيدة، ولم يرد شيء مجرد منها إلا بناء واحدٌ هو (فِعِل) إذ جاء عليه (إِبِل) . قال سيبويه: ((وهو قليل، لا نعلم في الأسماء والصفات غيره)) (1) .
وقال الأزهري: ((أما إِبِلٌ وإِبدٌ فمسموعان، وأما نِكِحٌ وخِطِبٌ فما حفظتها عن ثقةٍ، ولكن يقال: نِكْحٌ وخِطْبٌ)) (2)
وأورد غيرهما ألفاظاً أخرى بعضها أسماء وبعضها صفات. قال ابن القطاع:
((وعلى فِعِلٍ نحو: إِبِلٍ، وامرأة بِلِزٍ للضخمة القصيرة، وإِطِلٍ لِلْخَصْرِ، وأَتَانٍ إِبِدٍ للوحشية، ولا أفعل ذلك أَبَدَ الإِبِدِ حكاه ابن دُرَيْدٍ. وبِلِصٍ لِلْبَلَصُوص، ووِتِدٍ عن أبي عمروٍ لغة في الوَتد، ومِشِط لغة في الْمُشْطِ، وإِثِرٍ لغة في الإِثْرِ وفَرَسٍ إِجِدٍ لغة في أُجُد، ولُعْبَة للصبيان يقولون جِلِخْ جِلِبْ ... وخِطِبٍ ونِكِح لغة)) (3) .