ففي هذا حَصْرٌ للأسماء في الأعلام وأسماء الأجناس، ثم أدخل فيها بعد ذلك المصادر في قوله: ((وربما كثر بناءٌ من الأبنية في أحد هذين النوعين - أعني الاسم والصفة - وقل في الآخر، كما كثر (إِفْعَال) في المصادر نحو إسلام وإخراج وإنفاق، وهي مصادر أسلم وأخرج وأنفق، وقلّ في الصفات كقولهم: رجل إسكاف)) (2) .
وذكر السيرافي بعد ذلك فروقاً أُخَرَ، منها ما ذكره سيبويه من أن الصفة قد جاءت على (مُفَاعِل) نحو (مُقاتل) و (مُجاهد) ولم يأت من الأسماء التي ليست بصفات شيء على هذا البناء؛ لأن مُفاعِلاً إنما يجيء مشتقاً (3) .
وأشار بعض الباحثين المعاصرين إلى هذا التقسيم فقال: ((وقسم سيبويه الأسماء إلى نوعين: قسم يسمى به وهو الأسماء، وقسم يوصف به سواء أكان مشتقاً أم غير مشتق، وسماه الصفات. وقد بحث هذين القسمين معاً ولم يفصل بينهما)) (4) .
أما عناية القدماء بالأبنية فقد كانت الأبنية علماً مستقلاً، لا يقل في أهميته عن علم الصرف، وقد بذلوا جهداً كبيراً في تحديد أبنية العربية، حتى إن منهم من صنف معاجم لغوية على أساس الأبنية، كما فعل الفارابي في ديوان الأدب.
أما فائدة دراسة الأبنية فلاشك أن دراسة الأبنية ذات أهمية بالغة في دراسة صرف العربية. إذ به تعرف حروف الكلمة الأصلية وما زيد فيها من غير حروفها الأصول. وحصر أبنية العربية يفيدنا في معرفة العربي من العجمي، إذ جعل علماء العربية لألفاظها أمثلة، وخرجوا من تتبع ما تكلمت به العرب بأبنية تختص بالأفعال، وأخرى تختص بالأسماء، وقسموا أبنية الأسماء - تبعاً للاستعمال - إلى أبنية للأسماء، وأبنية للصفات، وذكروا ذلك، وصنفوا فيه، ومازال اللاحق يستدرك على السابق، حتى أتوا على كل ألفاظ العربية، فما خرج عن ذلك عُدّ من قبيل الدخيل، فإن أرادوا استعماله أخضعوه لقوانين التعريب المعروفة في كتب اللغة.
ولما أيقنت أن النظر في هذه المسائل، وجمع شتاتها، وتبويبها - على نحو ما صنعت - عمل لم يُفْرَدْ ببحثٍ مستقلٍّ - حسب علمي - استعنت بالله، وشرعت فيما عقدت عليه العزم وقسمت البحث إلى فصلين:
الفصل الأول: ما اختصت به الأسماء من أبنية دون الصفات وفيه مباحث:
المبحث الأول: ما اختص به الاسم من أبنية الثلاثي الذي حذف
أحد أصوله واستعمل على حرفين.
المبحث الثاني: ما اختص به الاسم من أبنية الثلاثي ومزيده.
المبحث الثالث: ما اختص به الاسم من أبنية الرباعي ومزيده.
المبحث الرابع: ما اختص به الاسم من أبنية الخماسي ومزيده.
الفصل الثاني: ما اختصت به الصفات من أبنية دون الأسماء وفيه مباحث:
المبحث الأول: ما اختصت به الصفات من أبنية الثلاثي ومزيده.
المبحث الثاني: ما اختصت به الصفات من أبنية الرباعي ومزيده.
المبحث الثالث: ما اختصت به الصفات من أبنية الخماسي ومزيده.
ولا أزعم لعملي هذا الكمال فذلك محال، ولكن حسبي أني بذلت الجهد.
والله أسأل أن يوفقنا للصواب وبالله التوفيق.
الفصل الأول
ما اختصت به الأسماء من أبنية دون الصفات
المبحث الأول: ما اختص به الاسم من أبنية الثلاثي الذي حُذِفَ أحد
أصوله واستعمل على حرفين
غالب كلام العرب من الأسماء والأفعال يكون على ثلاثة أحرف، لأن المتحدث يحتاج إلى حرف يبتدئ به، وحرف يقف عليه، وحرف يكون مسافة بينهما، ولا يكون الاسم والفعل على أقل من ذلك إلا قليلاً. فإذا تقرر ذلك فما معنى جعل سيبويه هذا من أبنية الثنائي؟
قال سيبويه: ((ثم الذي يلي ما يكون على حرف ما يكون على حرفين، وقد تكون عليه الأسماء المظهرة المتمكنة والأفعال المتصرفة، وذلك قليل، لأنه إخلال عندهم بِهِنّ، لأنه حذفٌ من أقل الحروف عدداً. فمن الأسماء التي وصفت لك: يدٌ، ودَمٌ، وحِرٌ، وسَتٌ، وسَهٌ - يعني الاست - ودَدٌ وهو اللهو ... فإذا ألحقتها الهاء كَثُرَتْ، لأنها تقوى، وتصير عدتها ثلاثة أحرف)) (1) .