وقوله في تقليبات مادّة (ر ض م) : ((والمُرِضّة ليس من هذا الباب، ولكن اللّفظ أشبه اللّفظ، لأنّ الميم فيها زائدة، وأصلها من الرّضّ)) (3) .
ويلحق بهذا أنّه قد يجعل الهمزة الزّائدة في أوّل الثّلاثيّ من أصله، كجعله ((الأَحَذّ)) في تقليبات الأصل الثّلاثيّ: (ح ذ - وا ي) و ((أرمّ القوم)) في تقليبات الأصل الثّلاثيّ: (رم - وا ي) ، ومثلهما: ((فرس أَغَرّ)) .
ويبدو أنّه رأى الهمزة الزّائدة في أوّل هذه الكلمات مع إدغام العين في اللام، فاشتبه عليه الأصل، كأنّه نظر إلى صورة اللّفظ من غير تدقيق في أصله، والهمزة على منهجه من حروف العلّة، وتأتي في تقليبات المعتلّ، إلاّ أنّها في مثل هذه الألفاظ زائدة، ووزنها (أفعل) ولو دقّق ابن دريد فيها عرف الأصل.
السّادس: تداخل الأصول اللّغويّة:
قد يتداخل أصلان لغويان في كلمة واحدة فيلتبسان، ك ((المدينة)) يتداخل فيها أصلان (م د ن) و (د ي ن) ويتداخل في كلمة ((الملائكة)) ثلاثة أصول: (ل أك) و (أل ك) و (م ل ك) ، ويتداخل في كلمة ((الذُّرِّيَّة)) أربعة أصول: (ذ ر أ) و (ذ ر ر) و (ذ ر و) و (ذ ر ي) وهذا باب واسع، لا يكاد يبرأ منه أحد من صنّاع المعاجم، ومنهم ابن دريد، فقد يضع الكلمة بسبب التّداخل في غير موضعها، وقد يضعها في موضعين.
ومما وضعه في غير موضعه بسبب التّداخل كلمة ((الغَوْغَاء من النّاس الّذين لا نظام لهم ... أُخِذَ من غَوْغَاء الدَّبَى)) أوردها في تقليبات مادّة (غ أوي) (1) من باب الثّنائيّ في المعتلّ.
وليست هذه الكلمة من هذا الأصل، وهي تحتمل أصلين، أحدهما ثلاثيّ، وهو (غ وغ) والآخر رباعيّ وهو (غ وغ و) ، ومن العرب من يجعلها بمنزلة ((عَوْراء)) فيؤنَّث، ولايصرف، فيقول ((غوغاءُ)) فالهمزة -حينئذ- زائدة، والأصل (غ وغ) .
ومنهم من يقول ((غَوْغَاءٌ)) بالتّذكير والصّرف، فهي عنده بمنزلة ((القَمْقَام)) و ((القَضْقَاض)) أي أنّه يجعل الغين والواو مضاعفين بمنزلة القاف والميم في ((القمقام)) والقاف والضاد في ((القضقاض)) وأصلها على هذا ((الغوغاو)) فقلبت الواو همزة، لتطرّفها بعد مدّ، فهي من باب الرّباعيّ المضاعف، وأصلها (غ وغ و) .
ولم يضعها ابن دريد في أحد هذين الأصلين، ولكنّه ابتدع لها أصلاً ثالثاً وضعها فيه، وهو (غ وى)
ووضع ((الشّاءَ)) -واحدها شاة، وصاحبها شاويّ- في تقليبات مادّة (ش أوي) (2) من باب الثّنائيّ المعتلّ، وهي تحتمل أحد أصلين ثلاثيّين أحدهما أجوف، والآخر لفيف مقرون.
فالأوّل، وهو (ش وهـ) فيه تفصيل ذكره المبرّد (3) ، ورجّحه العلماء (4) ولا حاجة لذكره هنا.
والثّاني مذهب مرجوح، وهو أنّه لفيف مقرون من (ش وو) أو (ش وي) وقد فصّلت فيه في بحث ((تداخل الأصول)) (5) بما لا حاجة لذكره هنا.
أما الآخر وهو ما وضعه في موضعين، فمنه قولهم ((برأل الحُبارى، إذا نشر برائله، لفزع أو قتال)) وضعه في أصلين: ثلاثيّ ورباعيّ، وهما (ب ر ل) (1) و (ب ر أل) (2) .
ووضع ((صَدَّاء)) -وهو ماء- في موضعين: (ص د د) (3) و (ص د ى) (4) ، فيجوز أن تكون ((صدّاء)) (فَعلاء) من (ص د د) فكأنّها تصدُّ طالبها.
ويجوز أن تكون (فَعَّالاً) من (ص د ي) من صَدِيَ يَصْدَى؛ وهو شدّة العطش.
وهي -أيضاً- تحتمل أصلاً ثالثاً، هو (ص د أ) ووزنها حينئذ (فعّال) أيضاً، ولذلك وضعت في بعض المعاجم (5) في المهموز.
ووضع ((المجلّة)) في موضعين: (ج ل ل) (6) و (م ج ل) (7) .
ووضع ((الدّكان)) في موضعين (د ك ك) (8) و (د ك ن) (9) .
ومثل هذا كثير في ((الجمهرة)) .
• • •
الخاتمة:
وقفنا في هذا البحث على ثلاث مسائل رئيسة من خلال فصول البحث:
الأولى: التّعريف الموجز بابن دريد، ومعجمه الجمهرة، والمنهج الّذي ارتضاه لنفسه، ثمّ التّعرّف عن كثب على مواقف العلماء من ابن دريد في معجمه، واختلافهم في أمره بين مادح وقادح، ورصد أبرز مآخذهم عليه.