وقوله: ((درهم قَفْلَة؛ أي: وازن، الهاء أصلية، وهي هاء التّأنيث، لازمة له، لا تفارقه، ولا يقال: درهم قَفْلٌ)) (3) .
وقوله: ((الصُّفَّة: صُفَّة البيت، وصُفُّة السّرج. قال أبو بكر: وإنّما أدخلناها في هذا الباب؛ لأنّه لا مذكر لها، والهاء تقوم مقام حرف ثالث)) (4) .
هذا شأنّ ابن دريد في هاء التّأنيث، ونقف معه هنا ثلاث وقفات:
الأولى: أنّ هذا الصنيع غير مألوف في صناعة المعاجم الّتي تقوم على الأصول، وليس له مبرر مقنع. أمّا دفاع المستشرق ((كرنكو)) عن ابن دريد في هذه المسألة، وذكره أنّ الدّافع لابن دريد في ارتكاب هذا هو جهل النّاس في عصره، وعدم استطاعتهم التّفريق بين ما فيه الهاء الأصليّة، وما فيه هاء زائدة للتّأنيث (5) ، فأمر غير مقبول، لما فيه من إساءة الظّنّ بالنّاس؛ ولأنّه لايمكن أن يتّخذ جهل الجاهلين وسيلة لارتكاب مثل هذا الشّذوذ، في صنعة محكمة.
الثانية: أنّ ابن دريد اضطرب عند التّطبيق، فذكر ألفاظاً مؤنّثة بتاء لازمة في أصولها الصّحيحة، أي دون أن يعتدّ بالهاء، فذكر في مقابل ذلك ألفاظاً مؤنّثة بتاء ليست لازمة في أصل فيه الهاء، أو ذكرها في موضعين ك ((الغُصَّة)) ذكرها في (غ ص ص) (6) و (غ ص هـ) (7) و ((الشّقّة)) ذكرها في (ش ق ق) (8) و (ش ق هـ) (9) ومثل هذا كثير.
الثّالثة: أنّ عَدَّهُ هاء التّأنيث من أصول الكلمة أوقعه في خطأ آخر في الثّلاثيّ المضعّف (الثنائي عند ابن دريد) وهو إسقاط لام الكلمة وإحلال الهاء محلّها، كإيراده ((مكّة)) في تقليبات (م ك هـ) والصّواب أنّها من (م ك ك) فأسقط لام الكلمة وأحلّ محلّها الهاء، وبذلك وقع في خطأين، إدخال الهاء في أصول الكلمة، وحذف لامها الأصليّة، وهي الكاف.
ومثل هذا جعله ((البَنَّة: الرّائحة الطّيّبة)) في (ب ن هـ) (1) وهي من (ب ن ن) وجعله ((الفِضّة)) في تقليبات (ف ض هـ) (2) وهي من (ف ض ض) .
أمّا في الثّلاثيّ المعتلّ فإنّ هذه الهاء تكون على حساب حرف العلّة؛ فاء الكلمة في المثال، أو لامها في النّاقص ك ((السّعة)) ذكرها في مادّة (س ع هـ) (3) وهي من (وس ع) ، و ((البُرَة)) في (ب ر هـ) (4) وهي من (ب ر و) .
الرّابع: الحرف الزائد للإلحاق:
يَعُدُّ ابن دريد الحرف الزّائد اللازم في الكلمة من أصولها، وهو الحرف الّذي لا يزاد لمعنى، وإنّما يزاد لإلحاق أصل بأصل، أونحو ذلك، فالواو في ((كَوْثَر)) والياء في ((سَيْطَرَ)) والدال في ((قَرْدَد)) من أصول الكلمة عنده، فهي رباعيّة لأنّ هذه الحروف لازمة لا تسقط من الكلمة، أمّا الميم والواو في ((مكتوب)) أو الياء في ((شديد)) فليست لازمة، ولهذا لا يعدّها في أصول الكلمة.
وهذا ما يفسّر كثيراً مما جاء في الرّباعيّ والخماسيّ واللّفيف ممّا نعدّه خللا بمقاييسنا، وهو ينصّ عليه صراحة في بعض العناوين، كقوله في أبواب الخماسيّ: ((باب ما جاء على فُعالل مما ألحق بالخماسيّ للزوائد الّتي فيه، وإنْ كان الأصل غير ذلك)) (5) . وقوله:
((باب ما جاء على فُعالَى فألحق بالخماسيّ للزّوائد، وإنْ كان الأصل غير ذلك)) (6) .
الخامس: صورة اللفظ:
قد ينظر ابن دريد إلى صورة الكلمة فيضعها في أصل غير أصلها الصّحيح، كقوله في الرّباعيّ: ((وأيهم: اسم، يقال اللهم إنّا نعوذ بك من الأيهمَين السّيل والجمل الصَّؤول. قال أبو بكر: وأَيْهَم إن شاء قائل أن يقول: في وزن (أفعل) كان قولا، ولكنّا أدخلناه في هذا الباب؛ لأنّ اللّفظ يشبه لفظ (فيعل) لأنّ أوّله همزة، كأنّه عَيْهَم)) (1) .
وقوله في الرّباعيّ: ((والتّولج والدّولج ... وليست الواو زائدة؛ لأنّه من الولوج، والواو فاء الفعل، إلاّ أنّه في وزن فوعل)) (2) .
وهو يقصد هنا الوزن الصّوتيّ، أي: تمثيل نطق الكلمة، كما تقول: تولج على وزن شوحط، أو يريد أنّها شابهت وزن (فوعل) فكأنّها منه، فذكرها فيه، و (فوعل) عنده من الرّباعيّ؛ لأنّ الواو لازمة.