يُقِلِّبُ صَعْدَةً جَرْدَاءَ فيها
نَقِيعُ السُّمِّ أو قَرْنٌ مَحِيقُ
فليس من هذا، وهو من حُقْتُ الشّيءَ أَحِيقُهُ، وأَحُوقُه؛ إذا دَلَكْتَه، فهو محيق: مدلوك. وهو فعيل في معنى مفعول)) (6) .
فكيف يكون ((المَحِيق)) من حُقْتُ، ويكون على وزن (فعيل) ؟
والوجه أن المحيق إما أن يكون من أصل ثلاثيّ صحيح، وهو (م ح ق) وإمّا أن يكون من أصل أجوف، وهو (ح وق) أو (ح ي ق) فإن كان من (م ح ق) فوزنه (فعيل) وإن كان من (ح وق) أو (ح ي ق) فوزنه (مَفْعِل) .
ومن أخطائه الصّرفيّة قوله: ((ليس في كلامهم فُعْلُول موضع الفاء منه ميم إلاّ في هذا الحرف: مُغْرُود ومُغْفُور، وهو صَمْغٌ يسقط من الشّجر حُلْوٌ ينقع، ويشرب ماؤه حلواً)) (7) .
وقال في موضع آخر: ((والمَغافير: لَثًي من لثى الشّجر، وهو الصّمغ؛ الواحد: مُغْفُور، وهو أحد ما جاء على فُعْلُول موضع الفاء ميم)) (8) .
والصّواب أن ((مُغْرُوداً)) و ((مُغْفُوراً)) على وزن (مُفعول) لأنّ الميم زائدة. وفي هذا يقول ابن خالويه: ((ليس في كلام العرب اسم على (مُفْعُول) إلا مُغْرُود، وهي الكمأة، ومُعْلُوق: شجر، ومُنْخُور: لغة في المَنخِر، ومُغْثُور ومُغْفُور من المَغَافير: صَمْغٌ حلو)) (1) .
ومثل هذا ما حُكي عن الفرّاء (2) .
ومنه قوله في مادّة (ن س س) : ((ونَسَّ فلان إبله يَنُسُّها نساً، إذا ساقها، والمِنسَاة غير مهموز مِفْعَلَة من هذا)) (3) .
وقوله: إنّ المنساة (مِفعلة) صحيح، ولكن كيف تكون من هذا؛ أي: من هذا الأصل: (ن س س) ؟ لو كانت من هذا لقالوا: ((المِنَسَّة)) مثل ((المِخَدَّة)) من (خ د د) .
والصّواب أنّ ((المِنْسَاة)) -وهي العصا- من أصل مهموز وأصلها ((المنسأة)) بالهمز من (ن س أ) وتخفّف فكأنّها -حينئذ- من المعتلّ: (ن س و) أو (ن س ي) وقد ذكرها ابن منظور في الأصلين المهموز والمعتلّ، وقال في المهموز: ((المِنسأة: العصا، يهمز ولا يهمز؛ يُنسَأُ بها. وأبدلوا إبدالا كلّياً، فقالوا: مِنسَاة، وأصلها الهمز)) (4) .
ومنه قوله في تقليبات مادّة (رم - واي) : ((ومن همز المُرُوءة أخذها من حُسْنِ مَرآة العين)) (5) .
وهذا الاشتقاق لا يستقيم عند ربطه بالمادّة الّتي ورد فيها وهي مقلوب (رم - واي) لأنّ مرآة العين (مَفْعلة) من الرّؤية، ومادّتها (ر أى) وليست الميم فيها أصليّة.
ولذا ردّ عليه تلميذه أبو عليّ الفارسيّ، فقال وهو يعنيه: ((وزعم بعض رواة اللّغة أنّ المُرُوءة مأخوذة من قولهم: هو حَسَنٌ في مَرآة العين. وهذا من فاحش الغلط، وذلك أنّ الميم في مرآة زائدة، ومُرُوءة: فُعُولة، فلو كانت من المَرآة لكانت: رُئِيَّة، ولكنّها مأخوذة من أحد شيئين: إمّا أن تكون فُعُولة من المَرْء، كالرّجولة من الرّجل، وإمّا أن تكون من مَراءة الطّعام؛ لأنّ الآخذ بها يهضم نفسه لها، فيكفّ عن كثير مما يرتكبه المُطَّرِح لها، قال أبو زيد: مَرُؤَ مُرُوءة، فدلّت (1) حكاية أبي زيد هذا على أنّ الميم فاء)) (2) .
وأنكر الراغب الأصفهاني -أيضاً- أن تكون ((المُرُوءة)) مشتقّة من قولهم: حَسُنَ في مرآة العين، وقال: ((هذا غلط؛ لأنّ الميم في مرآة زائدة، ومُرُوءة فُعُولة)) (3) .
الفصل الثّالث: أسباب الخلل في الجمهرة
وقفنا في الفصل السابق على ما في الجمهرة من خلل في الأصول واضطراب فيها، وهو كثير كما رأينا من خلال المباحث الستة. فما أسباب هذا الخلل والاضطراب؟
هل نساير السّيرافّي وابن جنّي ومن لفّ لفهما فنعزو هذا الخلل إلى ضعف ابن دريد في التّصريف؟ وإذا أخذنا بهذا الرّأي فكيف نُفسر ما يتبدّى لقارئ الجمهرة من براعة ابن دريد اللّغويّة، وحذقه في التّصريف في مواضع متفرّقة كثيرة، منها على سبيل المثال لا الحصر قوله: ((واستعمل الاعتياص، وهو الافتعال من قولهم: اعتاص يعتاص اعتياصاً، وهذه الألف أصلها ياء كأنه: اعتَيَصَ)) (4) .